أثار الجدل الذي رافق زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بلدة زوطر الغربية نقاشًا تجاوز حدود البروتوكول، ليطرح سؤالًا جوهريًا يتعلق بطبيعة الدولة وصلاحيات مؤسساتها: هل يُفترض برئيس الحكومة أن يطلب إذنًا، أو يُبلغ مسبقًا أي رئيس بلدية أو مسؤول محلي قبل أن يزور أي منطقة لبنانية؟
الجواب، من الناحية الدستورية، واضح. فرئيس الحكومة يستمد صلاحياته من الدستور، ويمثل السلطة التنفيذية على كامل الأراضي اللبنانية، وليس في نطاق جغرافي محدد. لذلك، فإن تنقله بين المناطق، أو قيامه بجولات ميدانية أو زيارات رسمية، لا يحتاج إلى موافقة أو إذن من أي جهة محلية، سواء كانت بلدية أو غيرها.
قد يكون من المستحسن، عندما تسمح الظروف، التنسيق مع البلديات احترامًا للأصول الإدارية، إلا أن هذا التنسيق ليس واجبًا دستوريًا، ولا يجوز أن يتحول إلى قيد على حركة رئيس الحكومة، أو إلى عرف يحد من صلاحيات الدولة.
السرية الأمنية ضرورة وليست خيارًا
أما عندما تكون الزيارة مرتبطة باعتبارات أمنية، فإن السرية تصبح ضرورة، وليست خيارًا. فالأجهزة الأمنية هي الجهة الوحيدة المخولة بتقدير مستوى المخاطر، وتحديد ما إذا كان الإعلان المسبق عن الزيارة يخدم المصلحة العامة أو يعرضها للخطر. وليس من المقبول أن يُطلب من رئيس الحكومة، أو فريقه الأمني، الكشف عن تحركاته إذا كانت التقديرات الأمنية تقضي بغير ذلك.
وتزداد أهمية هذا الأمر في لبنان، الذي عانى لعقود من الاغتيالات السياسية والعمليات الأمنية التي استهدفت مسؤولين وقادة وشخصيات عامة. ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد السرية في تحركات كبار المسؤولين هو إجراء وقائي مشروع، وليس انتقاصًا من دور أي بلدية أو إدارة محلية.
واقع أمني يفرض أعلى درجات الحذر
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن حزب الله وُجهت إليه، خلال السنوات الماضية، اتهامات في عدد من قضايا الاغتيالات السياسية، وأبرزها قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، التي أصدرت المحكمة الخاصة بلبنان أحكامًا بحق أحد عناصر الحزب، في حين رفض الحزب تلك الأحكام ونفى أي مسؤولية عنها. أما قضايا أخرى، فما زالت محل خلاف سياسي، أو لم تُحسم قضائيًا. وفي ظل هذا الواقع الأمني المعقد، يصبح من الطبيعي أن تعتمد الدولة أعلى درجات الحذر في تنظيم تحركات مسؤوليها.
أمن الدولة فوق الاعتبارات البروتوكولية
إن حماية رئيس الحكومة ليست شأنًا بروتوكوليًا، بل مسؤولية وطنية. والدولة التي تحترم نفسها لا تخضع قراراتها الأمنية للاعتبارات المحلية، ولا تجعل أمن مسؤوليها رهينة للإعلانات المسبقة أو المجاملات السياسية.
إن بناء الدولة يبدأ بتكريس مبدأ بسيط وواضح: رئيس الحكومة يمثل جميع اللبنانيين، ومن حقه وواجبه أن يتحرك في أي شبر من الوطن، وأن يمارس صلاحياته بحرية، وأن تتولى الأجهزة الأمنية وحدها تقدير ما تقتضيه سلامته وسلامة المواطنين، بعيدًا عن أي ضغوط أو أعراف لا سند دستوريًا لها.
التوضيح العام لا يناقض السرية الأمنية
إذا كان المقصود هو المبدأ العام، فيمكن القول إن المسؤول الذي يتخذ إجراءات تتعلق بأمنه الشخصي، أو أمن مرافقيه، قد لا يكون ملزمًا بكشف كل تفاصيل هذه الإجراءات، لأن بعضها قد يكون مرتبطًا باعتبارات أمنية وحماية الشخصيات الرسمية.
وفي المقابل، قد يختار إصدار توضيح عام عندما تثير خطوة ما جدلًا سياسيًا أو شعبيًا، من دون أن يعني ذلك أنه يكشف تفاصيل أمنية، أو “يبرر” قراراته لأحد. لذلك، يمكن الجمع بين الأمرين: الحفاظ على السرية الأمنية، مع تقديم توضيح للرأي العام عند الحاجة.
وعندما يتعلق الأمر بالأمن الشخصي، فإن المسؤول غير ملزم بالإفصاح عن كل الاعتبارات الأمنية، أو بتبريرها لأي جهة.

