يكشف تقرير سري سُرّب هذا الأسبوع من داخل إيران أن معدل الغضب الشعبي وصل إلى أعلى مستوى مسجل بين دول العالم، وأن تسعة من بين كل عشرة إيرانيين يطالبون بالتغيير. ومع ذلك، فإن التوصية الرئيسية لهذا التقرير لم تتمثل في معالجة جذور الاستياء، بل ركزت على كيفية “إدارة” غضب المجتمع.
هذه الوثيقة، التي أُعدت تحت عنوان “ماذا تريد إيران” وحصل عليها موقع “إيران واير”، صاغها علي ربيعي، المستشار الاجتماعي للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
وقد اعتمد ربيعي، الذي يمتلك تاريخًا من العمل في وزارة الاستخبارات وعمل سابقًا متحدثًا باسم الحكومة، في إعداد تقريره على نتائج استطلاع للرأي أُجري في شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) 2026 من قِبل مركز البحوث “آرا”، وجرى تسليم هذه الوثيقة إلى كبار المسؤولين في النظام الإيراني في شهر يونيو (حزيران) الماضي.
استطلاع رأي عقب احتجاجات دموية وفي غمرة الحرب
تكتسب توقيتات إجراء هذا الاستطلاع أهمية بالغة؛ إذ تم إجراء هذا البحث بعد الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في شهري ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الماضيين؛ وهي الاحتجاجات التي تشير التقارير إلى أن قوات الأمن قتلت خلالها عشرات الآلاف من المتظاهرين في غضون أيام قليلة. كما تزامن الاستطلاع مع الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؛ وهي الحرب التي أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي.
وفي الوقت الذي تبث فيه وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية كل ليلة صورًا لساحات تكتظ بالحشود وهي ترفع شعارات المطالبة بالانتقام، يقدم هذا التقرير صورة مغايرة تمامًا للمجتمع الإيراني.
فبناءً على نتائج هذا الاستطلاع، أعرب 9 في المائة فقط من المشاركين عن رغبتهم في استمرار الوضع الراهن، بينما أبدى 91 في المائة تأييدهم لإجراء إصلاحات، أو إصلاحات عميقة، أو التغيير الكامل للنظام السياسي.
ولا يقدم التقرير أي تفسير بشأن المنهجية المتبعة في هذا الاستطلاع. ونظرًا لأن المستطلعين داخل إيران قد يخشون التعبير عن آرائهم بحرية أمام المؤسسات الحكومية، فقد تم تفسير هذه النتائج بحذر.
ومع ذلك، فإن عالم الاجتماع الإيراني، سعید بیوندي، الذي راجع النص الكامل للتقرير لصالح “إيران واير”، اعتبر نتائج التقرير معتبرة وموثوقة بشكل عام رغم هذه القيود، مؤكدًا أن الأرقام المنشورة تمثل على الأرجح الحد الأدنى الفعلي للاستياء، لا الحد الأقصى له.
إيران.. الدولة الأكثر غضبًا في العالم طبقًا للبيانات المسجلة
تتمثل أهم نتائج التقرير في تسجيل معدل 63.6 في المائة للغضب العام في إيران؛ وهو رقم يؤكد التقرير أنه لم يُسجل في أي دولة أخرى من قبل.
ولم يسبق لمؤشر المشاعر العالمي التابع لمؤسسة “غالوب” أن سجل أي دولة بمعدل غضب يتجاوز 47 في المائة ؛ وهو الرقم القياسي الذي كان مسجلاً سابقًا باسم دولة تشاد. لكن وفقًا لهذا التقرير، فإن معدل الغضب في إيران ارتفع بمقدار 12 درجة مئوية (نقطة مئوية) منذ شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر 2025 وحتى الآن.
وجاء في التقرير نفسه صراحةً أن إيران باتت الآن، من حيث معدلات الغضب والحزن، تتربع على صدارة جميع الدول التي شملتها استطلاعات “غالوب” تاريخيًا.
وكانت إيران تقع سابقًا في هذه التصنيفات إلى جانب دول مثل العراق وأفغانستان، لكنها تفوقت عليها الآن.
لا حرب ولا استسلام
فيما يخص المواجهة مع الولايات المتحدة، لا تتوافق نتائج الاستطلاع مع أي من الروايتين السائدتين؛ لا الرواية الرسمية لوسائل الإعلام الحكومية التي تتحدث عن استعداد الشعب للحرب، ولا رواية بعض الأوساط الأميركية التي تتوقع استسلام إيران.
ولا يقدم علي ربيعي في تقريره وخلاصته توضيحًا بشأن وجهة نظر الشعب الإيراني حول حرب النظام الإيراني مع أميركا وإسرائيل، وتختلف الصورة التي يعرضها عن الرأي العام بوضوح عن تصريحات المواطنين ومظاهر بهجتهم عقب مقتل قادة الجمهورية الإسلامية.
وذكر التقرير أن 44.3 في المائة من المستطلعين يرون أن الخيار الأفضل هو الحفاظ على وقف إطلاق النار ومواصلة المفاوضات؛ وهو رقم يعادل ضعف أولئك الذين يطالبون بإنهاء المفاوضات والاستعداد للحرب تقريبًا.
وفي المقابل، قال نحو شخص واحد فقط من بين كل عشرة أشخاص إنه مستعد لقبول كافة الشروط الأميركية، بينما عارض نحو الثلثين الوقف الكامل لعمليات تخصيب اليورانيوم.
ومع ذلك، فإن هذا الموقف لا يعني الثقة بالمفاوضين؛ إذ عبر أقل من ثلث المشاركين عن ثقة عالية بالفريق التفاوضي الإيراني الجديد فيما يبدي نحو نصف المجتمع قلقًا بالغًا من اندلاع الحرب مجددًا.
وبشكل عام، يقدم التقرير صورة لمجتمع يرفض الحرب والاستسلام معًا، ولكنه في الوقت نفسه لا يثق بالدبلوماسيين ولا بالقادة العسكريين.
مجتمع على حافة الانهيار النفسي
ترسم الإحصاءات العاطفية والنفسية الواردة في هذا التقرير صورة مقلقة للغاية. إذ يشعر نصف الشعب الإيراني باليأس؛ وهو رقم سجل زيادة بمقدار ثماني نقاط مئوية مقارنة بشهري نوفمبر وديسمبر من العام الماضي.
وتحدث نحو 48 في المائة من المواطنين عن شعورهم بالحزن والاكتئاب، بينما يعاني 45 في المائة من خوف وقلق مزمنين.
وتتركز أعلى معدلات اليأس بين فئتي الشباب والمتعلمين؛ وهما الشريحتان اللتان تمثلان الأهمية الكبرى لإعادة بناء مستقبل البلاد.
تقويض ادعاء “التضامن الوطني”
يضع هذا التقرير أحد أهم ادعاءات النظام الحاكم خلال فترة الحرب تحت مجهر التشكيك.
فبناءً على الإحصاءات الرسمية للحكومة نفسها، فإن 47 في المائة من المواطنين لم يشاركوا ولو لمرة واحدة في التجمعات الليلية الداعمة للنظام، ويرتفع هذا الرقم في طهران ليصل إلى 61 في المائة .
كما أقر ربيعي بأن مشروع تسجيل أسماء المتطوعين لـ “الدفاع الوطني”، وعلى عكس الدعاية الواسعة التي روجت لها السلطة، قوبل بإقبال ضئيل للغاية، وعزا ذلك إلى خوف المواطنين من أحكام الآخرين عليهم وانتقاداتهم.
ويظهر التقرير أن الإيرانيين يفرقون تمامًا بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن النظام الإيراني؛ إذ صرحت الأغلبية بأنها ستدافع عن إيران في حال تعرض البلاد لهجوم جديد، لكن هذا لا يعني إطلاقًا دعم النظام السياسي.
إيرانيون.. ولكن أقل تدينًا
أحد الأجزاء المثيرة للاهتمام في التقرير يخص موضوع الهوية لدى المواطنين. فقد أفاد أكثر من 85 في المائة من المشاركين بأنهم فخورون بكونهم إيرانيين، كما ارتفعت نسبة الذين يعتبرون هويتهم الأولى هي الهوية “الإيرانية” وليست “الإيرانية المسلمة” مقارنة بالماضي؛ وهي زيادة تبدو أكثر وضوحًا وتأثيرًا بين فئة الشباب.
وفي المقابل، شهد الالتزام الديني تراجعًا حادًا.
فقبل أربع سنوات من ثورة 1979، صرح 79 في المائة من الإيرانيين بأنهم يصومون شهر رمضان، وانخفضت هذه النسبة في عام 2023 لتصل إلى 42 في المائة، بينما تراجعت هذا العام لتصل إلى نحو 30 في المائة فقط.
الشعب لا يأمل بمستقبل إيران
رغم تصاعد الحس القومي والوطني، لا تزال الرغبة في الهجرة مرتفعة للغاية. إذ صرح نحو ثلث المواطنين بأنهم سيهاجرون من إيران إذا ما أتيحت لهم الفرصة. وترتفع هذه النسبة بين الأفراد دون سن الثلاثين وخريجي الجامعات لتصل إلى نحو 50 في المائة .
وبحسب تعبير التقرير، فإن الناس لا يغادرون جغرافية إيران فحسب، بل إنهم “يغادرون مستقبل إيران”.
توصية السلطة: إدارة الاستياء لا حله
إن ما يجعل هذه الوثيقة لافتة للانتباه والاهتمام ليس البيانات الواردة فيها فحسب، بل طبيعة التوصيات التي تقدمها للمسؤولين في النظام الإيراني. إذ تخلو التوصيات تمامًا من أي حديث عن إصلاحات سياسية.
وبدلاً من ذلك، تقترح التوصيات إقناع المواطنين بأن العقوبات هي السبب الأساسي للمشكلات الاقتصادية وليست سوء الإدارة، وأن تظهر هيئة الإذاعة والتلفزيون (صدا وسيما) بوجه أكثر شمولاً واستيعاباً، مع استمرار توزيع السلع المدعومة بالبطاقات التموينية.
ويأتي هذا على الرغم من أن نتائج الاستطلاع نفسه تؤكد أن الشعب يرى في “عدم كفاءة المسؤولين وفشلهم” العامل الرئيسي لمشكلات البلاد، وبدرجة تفوق تأثير العقوبات نفسها.
وكان أبرز توصيات التقرير يقضي بضرورة تجنب المؤسسات الحكومية تطبيق أي سياسات تضعها في مواجهة مباشرة مع المجتمع.
ويرى الكثير من الإيرانيين أن تراجع وتخفيف حدة التشدد في تطبيق بعض القواعد والضوابط الاجتماعية لا يعكس مرونة أو تسامحًا من السلطة، بل هو محاولة للحفاظ على طاقة النظام الحاكم وتفاديًا للدخول في مواجهة واسعة النطاق مع المجتمع.
وفي الختام، يشير التقرير إلى مفهوم “الحاضرية” أو (Presentism)؛ وهي الحالة التي يعيشها مجتمع لا يريد ماضيه وعاجز في الوقت ذاته عن تصور أي مستقبل لنفسه.
وقد استُخدم هذا المصطلح لأول مرة في عام 1974 لتوصيف المناخ العام السائد في إيران؛ وبعد أربع سنوات فقط من ذلك التاريخ، قام هذا المجتمع نفسه بالثورة.

