خلط كثير من اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية ومواقفهم، بين اتفاق 17 أيار واتفاق الإطار، وأخضعوهما للمعايير نفسها، من دون الرجوع إلى الظروف التاريخية والسياسية التي أحاطت بكل منهما، أو إلى البيئة التي أنتجت كل اتفاق وأهدافه وطبيعته.
والحقيقة أن المقارنة بين الاتفاقين تفتقد إلى الأسس العلمية والسياسية، فلا تشابه بينهما لا في الشكل ولا في المضمون.
اتفاق 17 أيار: وليد هزيمة وغياب دولة
جاء اتفاق 17 أيار بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، إثر مفاوضات استمرت أكثر من عام. حينها كانت القوة الإسرائيلية المعادية قد وصلت إلى بيروت، وكانت الدولة اللبنانية شبه غائبة عن معظم أراضيها، في ظل حرب أهلية قسمت البلاد إلى مناطق نفوذ طائفية وحزبية، وتحولت كل منطقة إلى ما يشبه دولة مستقلة عن الأخرى.
كما وُلد الاتفاق في زمن ضعف المؤسسة العسكرية اللبنانية أمام قوة الميليشيات، وفي ظل هيمنة النظام السوري على القرار اللبناني، وتحكمه بمفاصل الحياة السياسية والأمنية، إضافة إلى تأثير حلفائه في الداخل.
لهذه الأسباب، كان اتفاق 17 أيار اتفاقاً وُلد في ظروف جعلت فرص بقائه شبه معدومة، قبل أن يسقط نهائياً مع صعود المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي، والتي نجحت في تحرير بيروت والجبل، فتغيّر ميزان القوى الداخلي والإقليمي بالكامل.
اتفاق الإطار: خطأ في المقارنة
أما محاولة تشبيه اتفاق الإطار الجاري التفاوض حوله باتفاق 17 أيار، فهي برأيي خطأ سياسي وإعلامي، لأنها تتجاهل الفوارق الجوهرية بين المرحلتين، وتبتعد عن قواعد التحليل السياسي الرصين ومنطق التفاوض بين الدول.
يمكن تفهم من يؤيد اتفاق الإطار أو يعارضه، فهذا حق طبيعي في أي نظام ديمقراطي. لكن ما يصعب تفهمه هو السطحية التي تُناقش بها هذه القضية، وكأن أبسط قواعد العلوم السياسية أصبحت موضع إنكار، أو كأن الوقائع التاريخية يمكن تجاوزها بالشعارات والانفعالات.
والأخطر أن بعض من يُفترض أنهم من النخب السياسية والثقافية يكررون هذه المقارنات من دون قراءة متأنية للتاريخ، بينما لا يُستغرب الأمر ممن يكتفون بترديد المواقف التي تُفرض عليهم من قياداتهم السياسية.
واقع اتفاق الإطار ورهاناته
إن اتفاق الإطار لا يزال في مرحلة التفاوض، والهدف منه الوصول إلى اتفاق نهائي يحدد طبيعة العلاقة الأمنية والسياسية على الحدود الجنوبية. ولذلك فإن فرص نجاحه قد تكون أكبر بكثير من فرص اتفاق 17 أيار، كما أن نتائجه قد تكون أكثر وضوحاً إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات الدولية.
ويأتي هذا الاتفاق بعد حرب مدمرة شهدها لبنان نتيجة قرار اتخذه حزب الله منفرداً تحت عنوان “إسناد غزة”، من دون الرجوع إلى الدولة اللبنانية أو مؤسساتها الدستورية. وبعد عقود من هيمنته على القرار الأمني والسياسي، وهيمنة السلاح على الدولة، وما رافق ذلك من أزمات وانهيار اقتصادي وعزلة عربية ودولية.
واليوم، يرفض الحزب مسار التفاوض، من دون أن يجري مراجعة سياسية لتجربته، أو يتحمل مسؤولية ما آلت إليه البلاد من خسائر بشرية ومادية، بل يحاول تحميل الدولة اللبنانية والشعب اللبناني تبعات تلك المرحلة.
معطيات جديدة تختلف جذرياً عن 17 أيار
مع ذلك، فإن اتفاق الإطار يقوم على معطيات تختلف جذرياً عن الظروف التي أحاطت باتفاق 17 أيار، ومن أبرزها:
- وجود دولة لبنانية قائمة بمؤسساتها الدستورية، رغم ما تعانيه من ضعف.
- وجود جيش وطني موحد وأجهزة أمنية شرعية.
- انتهاء الحرب الأهلية ووحدة الأراضي اللبنانية، باستثناء أزمة سلاح حزب الله.
- انتهاء الوصاية السورية المباشرة على القرار اللبناني.
- تراجع قدرة إيران وحلفائها على الانفراد بقرار الحرب والسلم في لبنان.
- وجود دعم عربي ودولي واضح لمبدأ سيادة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح بيدها.
- التفاف غالبية واسعة من اللبنانيين حول الدولة والجيش، ودعمها في استعادة الجنوب، وإعادة الإعمار، وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية.
كل هذه العوامل تجعل البيئة السياسية مختلفة تماماً عن تلك التي أنتجت اتفاق 17 أيار.
هل هناك ضمانات للنجاح؟
لكن، هل توجد ضمانات أكيدة لنجاح المفاوضات؟
الجواب بكل واقعية: لا.
فلا أحد يستطيع أن يضمن نتائج التفاوض مع إسرائيل، وهي دولة تمتلك فائضاً كبيراً من القوة العسكرية والسياسية، ودائماً ما تتصرف بمنطق القوة في ظل عجز المجتمع الدولي عن ردعها، والقضية الفلسطينية شاهدة على ذلك، برغم المتغيرات العالمية والتعاطف الشعبي مع فلسطين خاصة في أوروبا وأمريكا.
ومع ذلك، فإن التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية أثبتت أن كلفة الحرب كانت دائماً أعلى بكثير من كلفة التفاوض، وأن الحروب المتكررة لم تنتج سوى القتل والدمار والتهجير والاحتلال والانهيار الاقتصادي.
لهذا، يبقى التفاوض ــ مهما كان شاقاً ومعقداً ــ خياراً أقل كلفة من الحرب، وأقل استنزافاً للبنان وشعبه، حتى عندما يكون الطرف الآخر أكثر قوة على أرض المعركة وعلى طاولة المفاوضات.
ونقول ختاما ان السياسة في نهاية المطاف، ليست فن الحروب الدائمة، بل فن البحث عن أفضل الممكن لحماية الأوطان وصون مصالح شعوبها.

