بعد أسبوع من القتال العنيف، باتت أجزاء من الساحل الجنوبي لإيران تبدو بوضوح كأنها ساحة حرب. ومع ذلك، لا يزال كثيرون في طهران يجدون صعوبة في تصديق أن البلاد تعيش حالة حرب.
فبينما يتابع سكان العاصمة الانفجارات عبر التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي من على بُعد مئات الكيلومترات، ينظر كثيرون إلى المواجهة مع الولايات المتحدة باعتبارها مجرد جولة جديدة من الضغوط قد تنتهي في نهاية المطاف إلى المفاوضات.
وتقول فاطمة رجبی، مقدمة الأخبار التي كانت أول من أعلن الضربات الأميركية على الموانئ والمواقع العسكرية في جنوب إيران عبر برنامج “هشت شب” على “يوتيوب”، إن كثيرين في العاصمة لا يستوعبون أن حربًا تدور على طول السواحل الشمالية للمياه الخليجية، وهي المنطقة التي يصفونها باستخفاف بأنها “الأسفل”.
وأما المراسل علي باكزاد، الذي زار المنطقة خلال الضربات، فيقول إن الصواريخ استهدفت مواقع تمتد من عبادان قرب الحدود العراقية إلى تشابهار وسراوان قرب الحدود الباكستانية.
ورصد قوارب صيد متضررة، وموانئ تعرضت لأضرار جسيمة، ومجتمعات فقدت مصادر رزقها نتيجة الهجمات، وهو ما وثقته لقطات البرنامج.
ويشكّل هذا التباين محور تحقيق أعدّته الصحافية ميرا قرباني فر في صحيفة “توسعه إيراني” بعنوان “الجنوب بين نيران الحرب ورماد وقف إطلاق النار”.
وتكتب قرباني فر أن أصوات الانفجارات باتت تمزق هدوء الفجر على الساحل الجنوبي لإيران، فيما يتصاعد الدخان من الأرصفة المتضررة، وترسو المراكب الخشبية المحترقة مهجورة، بينما تحولت أسواق السمك التي كانت تعج بالحياة إلى أماكن لا تتحدث إلا عن “حرب لم يختر لها أحد اسمًا محددًا بعد”.
وتضيف أنه بينما يتحدث المسؤولون عن “تفاهمات” و”وقف لإطلاق النار” و”إدارة الأزمة”، يواجه سكان الجنوب بنية تحتية مدمرة وحركة شحن مضطربة، ويحاولون التكيف مع واقع يشبه أكثر فأكثر حرب استنزاف.
كما تتساءل عمّا إذا كان ما يُعرف بـ”تفاهم إسلام آباد” لا يزال قائمًا. وهل تمثل المعارك على الساحل الجنوبي جزءًا من الصراع الممتد منذ مائة يوم، أم بداية مرحلة جديدة من التصعيد المنضبط؟ وهل يستطيع الطرفان العودة إلى طاولة المفاوضات قبل تجاوز نقطة اللاعودة؟
ولا تقتصر هذه المخاوف على الصحافيين المستقلين.
فقد بدأت صحف مقربة من النظام تتساءل بشكل متزايد عما إذا كانت إيران قادرة على تحمّل مواجهة طويلة الأمد، في وقت تعجز فيه عن حماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية.
وتصف صحيفة “شرق” الوضع بأنه “هيكلي ومتراكم”، معتبرة أن تضرر البنية التحتية وتعطل النشاط البحري وانهيار الخدمات اللوجستية جعلت حتى الصدمات المحدودة قادرة على التسبب بأزمات كبيرة.
أما صحيفة “اعتماد” فتحذر من تآكل ثقة المواطنين، في وقت لا تبدو فيه الدولة مستعدة للتعامل مع الأزمات المتسلسلة.
كما أطلقت الصحف الاقتصادية تحذيرات مماثلة. إذ ترى صحيفة “جهان صنعت” أن قدرة إيران على الردع تتراجع تدريجيًا تحت وطأة الضغوط المستمرة، بينما تعتبر صحيفة “دنياي اقتصاد” أن القرارات العسكرية باتت تُتخذ بدافع الضرورات السياسية أكثر من الاعتبارات الاستراتيجية، ما يزيد من هشاشة البلاد في حال استمرار الحرب.
وأبدى محللان يقيمان في واشنطن، وهما محمد قاعدي وفرزين نديمي، مخاوف مشابهة خلال مقابلات مع وسائل إعلام ناطقة بالفارسية خارج إيران.
ويقول قاعدي إن النظام الحاكم في إيران “رفض مرارًا التعلم من أخطاء الماضي”، مشيرًا إلى اتساع الفجوة بين صناع القرار المعزولين والمواطنين الذين يتحملون كلفة الصراع.
وأما نديمي فيرى أن إيران تواجه الولايات المتحدة “في لحظة من أقصى درجات الهشاشة البنيوية”، حيث تتآكل قدرتها على الردع، بينما تحكم الضرورات السياسية وتيرة التصعيد أكثر من الحسابات العسكرية.
ويحذر قائلًا: “إيران ليست في وضع يمكّنها من إدارة صراع طويل الأمد”، مضيفًا أن كل هجوم جديد “يقضي على جزء آخر من قدرة إيران الردعية”.
وحتى وسائل الإعلام المحافظة أبدت مؤشرات على القلق. فقد دعت صحيفة “رسالت” مؤخرًا إلى “إعادة بناء القدرات الدفاعية” بعد الخسائر العسكرية الأخيرة، في اعتراف نادر من صحيفة محافظة بأن قدرة الردع الإيرانية قد تراجعت.
وفي الوقت الراهن، يبقى التباين واضحًا. ففي طهران، يواصل السياسيون والمعلقون مناقشة المفاوضات ووقف إطلاق النار والتفاهمات الدبلوماسية.
أما على طول الساحل الجنوبي، فقد كفّ كثير من السكان عن التساؤل حول اسم هذا الصراع؛ فهم ببساطة يعيشون الحرب.

