“اتفاق الإطار” هو الخيار الأقل كلفة في مقابل الحرب المتقطعة أو المفتوحة على لبنان، والمقتصرة على أرضه بشرًا وحجرًا. هذا ما يكرره أكثر من مسؤول لبناني، من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة وغيرهم من المسؤولين. ولعل عودة أكثر من أربعمئة ألف نازح إلى بلداتهم جنوب الليطاني وشماله، هي من نتائج هذا الاتفاق الذي لم تبدأ عملية تنفيذه فعليًا، كما أكد لـ”جنوبية” مصدر معني بوفد التفاوض اللبناني مع إسرائيل.
ويتابع المصدر أن التحدي الأهم سيبقى في الخطوات التنفيذية على الأرض، ولا سيما المناطق النموذجية أو التجريبية، انطلاقًا من المناطق المحتلة في شمال الليطاني، وتحديدًا بلدات زوطر الشرقية، وزوطر الغربية، وكفرتبنيت، مضافًا إليها بلدة فرون غير المحتلة.
وبحسب المصدر نفسه، فإن إصرار رئيس الجمهورية على البدء من هذه المنطقة، لكونها محاذية لمدينة النبطية، ومع سيطرة الجيش الإسرائيلي على قلعة الشقيف وعمليًا على تلة علي الطاهر، فإن مخاطر التمدد نحو مدينة النبطية من قبل الاحتلال فرضت هذا الاختيار والاختبار نفسيهما، ودفعت الرئيس عون إلى جعلهما على رأس الاهتمام كمنطقة تجريبية.
المنطقة التجريبية… والاختبار الأصعب للجيش و”حزب الله
لذلك، يمكن القول إن الاتفاق الإطاري على المحك، فلا إسرائيل تريد تنفيذه ووقف الحرب، على ما يبدو من مؤشرات ميدانية وسياسية، ولا الطرف الإيراني، من خلال “حزب الله”، بوارد عدم عرقلة تنفيذه، طالما أن طهران خارج طاولة التفاوض بين لبنان وإسرائيل.
وبحسب المصدر، فإن الحكومة اللبنانية في وضع لا تُحسد عليه، ويقع على الجيش مسؤولية كبرى في حال بدأ تنفيذ خطة المنطقة التجريبية. وهي تتطلب أن يحكم الجيش سيطرته على القرى التي ستنسحب منها إسرائيل، ويعمل على تنظيفها من أي قواعد عسكرية أو سلاح غير شرعي. والقضية الأهم هي منع عناصر “حزب الله” من العودة إلى القرى، ولو كانوا من أبنائها، على ما تتضمنه الخطة المتفق عليها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة: هل سيستجيب “حزب الله”؟ الثابت من المواقف المعلنة أنه لن يستجيب. وماذا سيفعل الجيش حينها؟ يجيب المصدر، الأرجح أن الجيش لن يدخل الى المنطقة التجريبية، و”حزب الله” لن يمتنع عن العودة إلى القرى إذا انسحبت منها إسرائيل.
والبارز ان ما قاله رئيس الجمهورية اليوم لصحيفة النهار، عن رفض “حزب الله” تسليم تلة علي الطاهر للجيش اللبناني، مقابل انسحاب إسرائيل والسماح بخروج مقاتلي الحزب المحاصرين في أنفاق هذه التلة، يدل على أن “الحزب” ليس في وارد المساعدة على أي خطوة جدية تظهر استعداده لدعم سيطرة الجيش وانسحاب إسرائيل.
التصعيد العسكري… الاحتمال الأكثر ترجيحًا
لذا، الأقرب إلى المتوقع هو بقاء الحالة على ما هي عليه، مع احتمال أن تقوم إسرائيل بتصعيد يخدم معركة اليمين الإسرائيلي في الانتخابات التشريعية، فيما يبقى “حزب الله” رافعًا راية إخراج الاحتلال كوسيلة لتبرير وجوده المسلح، وعرقلة أي محاولة لتنفيذ قرارات الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، والتبشير بالحرب الأبدية مع إسرائيل.
تراجع الدور الأميركي… وإشارات مقلقة للمفاوضات
يستنتج المصدر، ان الإعلان عن جلسة التفاوض المقبلة في 21 الجاري في إيطاليا بغياب واشنطن لا يدفع إلى الاطمئنان، وهو يشي بتراجع في الاهتمام الأميركي. وهذا يذكّر بما قاله مسؤول لبناني كبير، قبل أشهر، لـ”جنوبية”، حين جرى التداول بدولة قبرص كمكان للتفاوض بين لبنان وإسرائيل، إذ اعتبر أن لبنان سيصر على دور واشنطن المباشر كوسيط، لأن رهان لبنان على دور الأخيرة أساسي لإلزام إسرائيل، فيما لا مصلحة للبنان بأن يُستفرد ويُترك وحيدًا في مواجهة مناورات نتنياهو.
من هنا، فإن الانكفاء الاميركي عن المشاركة المباشرة والفاعلة في التفاوض هو مؤشر سلبي للبنان، قد يدفع الأمور إلى العودة للميدان والمواجهة العسكرية.
يبقى أن ما يمكن أن يتم على طاولة المفاوضات سيبقى رهن الخطوات العملية على الأرض، وتنفيذ المنطقة التجريبية، وهو ما يعني أن طاولة المفاوضات لن تضيف شيئًا إذا كانت عقد التنفيذ على الأرض مستمرة.
من هنا، الأرجح أن المفاوضات التقنية ستستمر، فيما تعتبر أوساط المفاوض اللبناني سيمون كرم أن مهمته انتهت، لا أكثر ولا أقل.

