لم يكن علي خامنئي مجرد حاكم مستبد، وقمعي، وشمولي فحسب؛ بل كان أيضاً القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية.
إن الغالبية العظمى من الديكتاتوريين في العالم إما كانوا شخصيات عسكرية، أو استحوذوا بالكامل على أعلى المناصب العسكرية والأمنية وسلطاتها بعد جلوسهم على عرش الحكم. وكان خامنئي ديكتاتوراً من هذا الطراز؛ فهو لم يكتفِ بتولي منصب القيادة العامة للقوات المسلحة الإيرانية بعد وصوله إلى منصة القيادة (المرجعية)، بل كان قبل ذلك وحتی أكثر منه حاكماً ينطلق من توجهات ومقاربات عسكرية وأمنية.
منذ اليوم التالي لتأسيس النظام الإيراني بدأ علي خامنئي أنشطته في المناصب الأمنية والعسكرية. فبالإضافة إلى عضويته في “مجلس الثورة”، تولى منصب نائب وزير الدفاع، وكان عضواً في لجنة الوزراء الأمنيين والشرطيين والعسكريين، وتولى لفترة وجيزة قيادة الحرس الثوري الإيراني، وأصبح رئيساً للجنة الشؤون الدفاعية في الدورة الأولى للبرلمان، ونشط في “مقر الحروب غير المنظمة” أثناء الحرب مع العراق، وكان ممثلاً لمؤسس النظام الإيراني، روح الله الخميني، في “المجلس الأعلى للدفاع”.
وبهذا التوجه، وبعد دورتين من الرئاسة تزامناً مع مشاركته في إدارة الحرب العراقية، حرص خامنئي منذ اليوم الأول لتوليه القيادة في يونيو (حزيران) 1989 على تعزيز البرامج الصاروخية وتوسيع أنشطة الميليشيات والقوات شبه العسكرية التابعة للنظام الإيراني في المنطقة، جنباً إلى جنب مع مواصلة البرنامج النووي لأغراض عسكرية.
ولا توجد تقديرات دقيقة لحجم الأموال التي أُنفقت على هذه البرامج العسكرية والأمنية والنووية. ولكن يمكن القول بثقة إن مئات المليارات من الدولارات من ميزانية وثروات ورأس مال البلاد قد أُنفقت مباشرة في هذه المجالات، في حين بلغت التكاليف غير المباشرة لهذه البرامج على إيران عدة تريليونات من الدولارات.
وهذه الإنفاقات الفلكية والمناهضة للمصالح الوطنية التي قام بها النظام، بأمر وإشراف من خامنئي، لم تحقق لإيران أي عائد في مجالات الكهرباء والطاقة والتنمية، ولم تؤدِّ إلى تحقيق الردع ومنع الهجوم الخارجي. ونتيجة لذلك، اندلعت حربان، وقُتل هو نفسه في اليوم الأول من الحرب الثانية.
وبناءً على ذلك، لا يمكن مقارنة موت خامنئي بغياب أو تصفية أي من المسؤولين العسكريين رفيعي المستوى في النظام الإيراني. فبمقتل هذا الديكتاتور، لم تتفكك الحلقة الأهم لربط وانسجام المؤسسات الحكومية فحسب، بل غاب القائد والمهندس والمنسق الرئيسي للمؤسسات الأمنية والعسكرية؛ وهو فراغ يمكن القول بثقة إن تعويضه- على المدى القصير وربما المتوسط- يتجاوز قدرة وإمكانات مجتبى خامنئي وغيره من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في النظام الإيراني.

