من المونديال إلى الحرب… سيرة مشجّع كبر تحت القصف الاسرائيلي

Mondiale

دخلت كلمة “مونديال” إلى سمعي ووعيي عام 2006، قبيل حرب تمّوز بقليل. كنت يومها في التاسعة من عمري وبزيارة عائلية إلى لبيت خالي، حيث شرح لي ابنه الأكبر معنى هذه الكلمة، وأنّ الحدث الكروي يُقام مرّة كل أربع سنوات، وتتنافس فيه 32 دولة على انتزاع كأس العالم.
لم تكن لديّ آنذاك المساحة الكافية لأختار منتخبي المفضّل. شعرت، رغم صغر سنّي، بأنّني مسيَّر أكثر ممّا أنا مخيَّر، وذائب في جمهور كبير من الأقارب الذين كانوا يشجّعون المنتخب الإيطالي، ولا سيّما أنّ زوجة خالي إيطاليّة الجنسيّة. هكذا بدأت أحفظ تدريجيًّا أسماء اللاعبين وهيئاتهم: من بوفون إلى غروسو، ومالديني، وبيرلو ــ لاعبـي المفضّل حتى اليوم ــ وتوتي وتوني وغيرهم.
لم يخطر في بالي أنّ حربًا ستندلع في تمّوز، وأنّنا سننزح إلى بشامون. ولم يخطر ببالي أيضًا أنّ آخر تتويج لإيطاليا قبل ذلك كان عام 1982، وهو عام سبق بدوره اجتياحًا إسرائيليًّا للبنان.

المنتخب الإيطالي المتوّج بكأس العالم 2006

حين أصبحت كرة القدم ملاذًا من الحرب

بعد حرب تمّوز، بدأت ميولي الكرويّة تتذبذب، وانعكس ذلك أيضًا على تشجيعي للأندية. كانت الجماعة المحيطة بي هي العامل الأبرز في هذا التقلّب.
من الصعب أن تنتقل من حربٍ مليئة بالدخان والقذائف والغارات الإسرائيليّة والحنين إلى المنزل والمدينة، إلى حروب صغيرة نصنعها نحن الأطفال بأقدامنا.
في مكان نزوحنا في بشامون، كان مدخل البناية ملعبنا الوحيد. هناك كنّا نرتجل مباريات كرة قدم على وقع طنين الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة. نتقمّص أسماء اللاعبين وهويّات المنتخبات، ونعيش المباريات كأنّنا جنود يهربون من حربٍ لا طاقة لهم على خوضها، إلى حروب يبدأونها متى يشاؤون وينهونها متى يشاؤون.

أطفال يلعبون كرة القدم في الشارع – غيتي

العودة إلى المدرسة… والعودة إلى الكرة

عندما أُعلن وقف إطلاق النار في آب 2006، نسيت قدماي كرة القدم. فمدرسة مار يوسف الظهور في مدينة صور لم تكن تحتضن اللعبة، كما أنّ والديّ لم يخصّصا وقتًا لي ولأخي لمشاهدة المباريات، فكان هو وأمي يقومان بدور الصحافيين الرياضيين، يخبراننا كلّ صباح بنتائج مباريات الليلة السابقة.
عام 2008، وبينما كانت إسرائيل تشنّ إحدى حروبها الشرسة على قطاع غزّة، لم يكن هناك مونديال، ولم تفز إيطاليا بأي بطولة. لكنّني عدت إلى كرة القدم من بوابة مدرستي الجديدة، “الميادين” في البازوريّة، التي كانت تنظّم بطولات للحلقات الدراسيّة خلال الفرصة.
وقبل تلك البطولات، كنّا ــ نحن أبناء العاشرة ــ نصنع كرتنا الخاصة من تنكة “بيبسي” أو من أغطية القناني. مرّة جديدة، أصبحت كرة القدم حربًا أخرى نخوضها كالصعاليك، نطارد خلالها التنكة أو الغطاء، ونهرب من الناظرة التي تلاحقنا بصراخها وجرسها وتأنيبها، مطالبةً إيّانا بالتوقّف عن هذا “الشغب”.

أسطورة كرة القدم الأرجنتينيّة دييغو آرماندو مارادونا

من إيطاليا إلى فرنسا… رحلة اختيار حرّ

خلال حرب 2026، وأنا على أعتاب الثلاثين، تبدّلت خياراتي الكرويّة تمامًا. أخيرًا نجوت من الاستسلام لخيارات الأقارب وميولهم.
بعد سنوات من التقلّبات، اخترت عام 2017 المنتخب الفرنسي، حبًّا بزين الدين زيدان؛ ذلك اللاعب الشغوف، الاندفاعي، الانفعالي، والموهوب. واخترت برشلونة حبًّا بـ”شاعرَي” الملاعب الخضراء: دييغو مارادونا، ثم ليونيل ميسي.
هذا المونديال، المتزامن مع الحرب الإسرائيليّة الثامنة على لبنان، هو ثمرة ثباتٍ كروي امتدّ ثماني سنوات، ازدادت خلالها صلابتي كمشجّع لفرنسا؛ فرنسا الموضة والعطور، وسارتر، وآلان بوسكيه، وشارل أزنافور، وفريديريك فرنسوا، وزين الدين زيدان، وأنطوان غريزمان.
كما ازدادت علاقتي ببرشلونة، التي لا تزال بالنسبة إليّ قصيدةً مفتوحة، تجعلني أرى كرة القدم بعيون شعرائها: ميسي، وهنري، وإيتو، ورافينيا.

قائد المنتخب الفرنسي زين الدين زيدان وحارس مرمى المنتخب الإيطالي جاويليجي بوفون -2006

الحرب التي لم أعد أهرب منها

لم أستطع هذه المرّة أن أكرّر تجربة الهروب من الحرب عبر كرة القدم، كما فعلت في طفولتي.
أصبحت منخرطًا، كمواطن وكاتب، في معارضة جبهات الإسناد العبثيّة وخيارات المحور الإيراني. مواقف جرّت عليّ حملات التحريض والتهديد، بل والنفي من مدينتي صور، ومنعتني حتى الآن من خوض مباراة كرة قدم أنسى فيها نفسي، وأعيد تشكيلها.
لا أعرف، لو عدت إلى الملعب، هل سأكون حارس مرمى بفعل طولي ووزني، أم مدافعًا صلبًا وعنيدًا يشبه عنادي في آرائي، أم رأس حربة لا يخشى خوض معارك سياسيّة يعتبرها كثيرون مجانية.

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي

سنرجع يومًا… إلى الملعب

غنّت فيروز يومًا: “سنرجع يومًا…”
وأنا أيضًا سأرجع يومًا… إلى صور، وإلى الملعب الأخضر.
سأرجع حين تغادر الحروب جسدي، وتعود الكرة هاجسي الوحيد، وحربي الوحيدة.
سأرجع حين تنسى قدماي ركل رؤوس الذين شرّعوا أبواب الكراهية والتحريض في وجهي، وتعودان إلى ما خُلقتا له: ركل كرة تتهادى نحو شباكٍ متعطّشة للأحلام، ولطموحات لا تنتهي.

السابق
مخاوف من انفجار ناقلة غاز قطرية بعد استهداف إيراني في هرمز