لماذا طرابلس؟ قراءة في دلالات المكان والرسائل السياسية


لم يكن اختيار طرابلس محطة في زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني حدثاً عابراً في نظر عدد من المراقبين. فالمدينة ليست مجرد ثاني أكبر المدن اللبنانية، بل تشكل منذ عقود إحدى أكثر الساحات تأثرا بالتحولات الإقليمية، ولا سيما تلك المرتبطة بالعلاقة بين لبنان وسوريا.
وتكتسب الزيارة حساسية إضافية بسبب اختيار مسجد السلام، وهو مكان ارتبط في الذاكرة اللبنانية بتفجير عام 2013 الذي خلف عشرات الضحايا، في واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ المدينة الحديث. لذلك، رأى بعض المحللين أن اختيار هذا الموقع يحمل رمزية سياسية وإنسانية، بينما اعتبر آخرون أنه يندرج في إطار زيارة دينية لا ينبغي تحميلها دلالات تتجاوز ما أُعلن رسمياً.
طرابلس… مدينة على تقاطع الأزمات
تاريخيا، كانت طرابلس مرآة للتغيرات التي شهدها المشرق. فمنذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، كانت المدينة إحدى الساحات التي تأثرت مباشرة بالنفوذ السوري، سواء عبر التحالفات السياسية أو المواجهات الأمنية.
ومع ترسيخ النظام السوري بقيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد نفوذه في لبنان، أصبحت طرابلس واحدة من أبرز المدن التي شهدت صدامات دامية خلال ثمانينيات القرن الماضي. ويرى مؤرخون وباحثون أن المدينة خضعت لسيطرة أمنية سورية مشددة بعد مواجهات مع قوى محلية، فيما تتهم أطراف لبنانية دمشق باستخدام فصائل لبنانية وفلسطينية حليفة لترسيخ نفوذها وإعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في المدينة.
كما كانت طرابلس إحدى ساحات المواجهة مع الفصائل الفلسطينية الموالية لـياسر عرفات، و حركة التوحيد الإسلامي التي كانت آنذاك قوة رئيسية في المدينة، استعمل السوري حلفائه من الاحزاب اللبنانية حتى استطاع السوري الانتصار على عرفات إثر التدخل العسكري السوري المباشر . وقد تركت تلك الأحداث آثارا عميقة في الذاكرة السياسية والاجتماعية للمدينة، ولا تزال حاضرة في قراءة كثيرين للعلاقة بين طرابلس ودمشق.
وبعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005 وانسحاب الجيش السوري من لبنان، تحولت طرابلس إلى أحد أبرز معاقل القوى المناهضة للوجود السوري، وشهدت تظاهرات واعتصامات ومواقف سياسية حادة عكست حجم التوتر في العلاقة بين المدينة ودمشق.
ومع اندلاع الحرب السورية عام 2011، عادت طرابلس إلى واجهة المشهد، ليس فقط بسبب قربها الجغرافي من الحدود السورية، بل أيضا بفعل الانقسام السياسي اللبناني حول الأزمة. وشهدت المدينة جولات متكررة من الاشتباكات بين منطقتي باب التبانة وجبل محسن، في انعكاس مباشر للصراع السوري على الداخل اللبناني. كما توجه عدد من الشبان الطرابلسيين للقتال إلى جانب فصائل المعارضة السورية، في مقابل استمرار ارتباط قوى لبنانية أخرى بالمحور الداعم لدمشق، ما جعل المدينة مرة جديدة إحدى الساحات التي انعكست عليها التحولات الإقليمية.
هل ما زالت طرابلس ساحة للرسائل الإقليمية؟
يرى عدد من الباحثين أن طرابلس ما زالت تتمتع بثقل سياسي ورمزي يجعل أي زيارة لمسؤول إقليمي إليها موضع قراءة وتحليل. إلا أن ذلك لا يعني تلقائيا أن المدينة أصبحت مجددا ساحة صراع أو أنها تتجه نحو مرحلة من عدم الاستقرار.
فخلال السنوات الأخيرة، تراجعت حدة الاصطفافات الأمنية التي طبعت المدينة في العقد الماضي، بينما تصدرت القضايا الاقتصادية والاجتماعية أولويات السكان، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع الخدمات العامة.
من هذا المنطلق، يرى مراقبون أن أي قراءة لدلالات زيارة الشيباني يجب أن تراعي الواقع الحالي لطرابلس، الذي يختلف عن الظروف التي سادت خلال السنوات الأولى من الأزمة السورية. وفي المقابل، يعتبر آخرون أن الرمزية السياسية للمدينة لا تزال قائمة، وأن أي تحرك رسمي فيها يحمل بطبيعته أبعادا تتجاوز البروتوكول.
بين التاريخ والواقع
تاريخ طرابلس يثبت أنها كانت في محطات عديدة نقطة التقاء بين السياسة اللبنانية والتوازنات الإقليمية، من مرحلة الوصاية السورية والصراعات الدامية في الثمانينيات، مروراً بانسحاب الجيش السوري عام 2005، وصولا إلى تداعيات الثورة السورية، لكن هذا التاريخ لا يكفي وحده للقول إنها مرشحة لتكرار السيناريوهات السابقة. فالمدينة شهدت تغيرات اجتماعية وسياسية مهمة، كما أن البيئة الإقليمية نفسها تختلف اليوم عما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل كانت زيارة الشيباني مجرد محطة دبلوماسية ذات طابع ديني ورمزي، أم أنها تعكس بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين دمشق وطرابلس؟ الإجابة ستتوقف على ما ستشهده المرحلة المقبلة من خطوات سياسية، أكثر مما تتوقف على رمزية زيارة واحدة.

السابق
إردوغان: ينبغي لإسرائيل عدم عرقلة الاتفاق بين أميركا وإيران