يدخل الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية تتشابك فيها المساعي الدبلوماسية مع التعبئة العسكرية والداخلية؛ إذ أعلن المفاوضون عن تعليق مؤقت للمحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، على أن تُستأنف فور انتهاء مراسم التشييع الرسمية للمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي.
ويأتي هذا التوقف غداة جولة مباحثات فنية معقدة شهدتها العاصمة القطرية الدوحة، تندرج ضمن مهلة الـ 60 يوماً القابلة للتجديد بموجب «مذكرة التفاهم» الموقعة في 17 حزيران الماضي بوساطة قطريّة-باكستانيّة، والرامية لوضع حد نهائي للحرب الإقليمية وتفكيك عقدة مضيق هرمز ومستقبل البرنامج النووي.
ترامب متفائل
في أحدث تصريحاته لشبكة «CNBC»، أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفاؤلاً كبيراً بمسار التهدئة، معتبراً أن الاستراتيجية الأميركية تمثل «حملة لنزع سلاح إيران النووي وليست حرباً بالمعنى التقليدي». وأضاف ترامب حاسماً: «أرى أنهم وافقوا على كل ما نحتاجه تقريباً… لقد وافقت طهران على كل شيء نريده، ولن يمتلكوا سلاحاً نووياً». كما أكد ترامب إطباق الخناق البحري بقوله: «الحصار الأميركي على مضيق هرمز لم يُخترق، ولم تتمكن سفينة واحدة من الوصول إلى موانئ إيران خلال الحصار».
وفي كواليس الشق المالي للمفاوضات، كشف موقع «أكسيوس» الإخباري عن التوصل إلى تفاهمات أولية بشأن الدفعة الأولى من الأصول الإيرانية المجمدة. ووفقاً للمصادر، فإن نحو 3 مليارات دولار من هذه الأموال لن تُحوّل كسيولة نقدية إلى طهران، وإنما ستُخسّص حصراً لشراء سلع أساسية كالذرة والقمح، على أن يكون جزء من هذه المشتريات من الولايات المتحدة مباشرة، وهو ما أكده ترامب في مقابلته الأخيرة.
خطوط حمراء أميركية: حماية قاليباف وعراقجي من الاستهداف
بالتوازي مع المسار الفني، كشف تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» نقلته الأوساط الإعلامية عن اتخاذ إدارة الرئيس ترامب سلسلة خطوات استثنائية لمنع استهداف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي خلال تحركاتهما الدبلوماسية. وتأتي هذه الحماية الأميركية خشية انهيار المسار التفاوضي بالكامل وعودة الحرب الشاملة، في ظل رغبة واشنطن في الحفاظ على القنوات الدبلوماسية المفتوحة مع المفاوضين الأساسيين للنظام الإيراني.
التصعيد البحري: الحرس الثوري يفرض مسارات إجبارية في هرمز
ميدانياً، دخل التوتر الأمني في مضيق هرمز جولة تصعيد جديدة؛ إذ هددت طهران بالرد العسكري المباشر على ناقلات النفط التي تعبر المضيق في حال عدم التزامها بالمسارات المحددة من قِبل السلطات الإيرانية. وجاء هذا التهديد بعد ساعات قليلة من إعلان نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، عن الاتفاق الفني لإنشاء قناة اتصال متخصصة بحلول يوم الخميس للإبلاغ عن خروق «مذكرة التفاهم» وتوثيقها.
وأصدرت عمليات هيئة الأركان المشتركة الإيرانية بياناً صارماً بثه التلفزيون الرسمي، حذرت فيه من أن «أي عدم امتثال، أو انحراف عن المسار المحدد، أو تجاهل لبروتوكولات الملاحة المعتمدة لدى إيران في مضيق هرمز، سيعرّض أمن السفن المخالفة للخطر، وسيُقابل برد فوري وقوي من القوات المسلحة». وعكس هذا البيان العسكري استمرار الخلاف الحاد حول سيادة الممر المائي، حيث اعتبرت طهران أن استمرار تحليق المقاتلات الأميركية فوق أجواء المضيق يمثل المسبب الرئيسي لانعدام الأمن الإقليمي.
جبهة طهران الداخلية: قاليباف يدعو لـ«الثأر» في مراسم التشييع
وعلى الجبهة السياسية الداخلية في إيران، وفي مؤشر على تعبئة الشارع قبيل أي سيناريوهات محتملة، وجّه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف نداءً عاماً نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، دعا فيه الشعب الإيراني إلى مشاركة تاريخية وواسعة في مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، والتي تنطلق يوم السبت في طهران (وتستمر في قم ومشهد).
وربط قاليباف المشاركة الشعبية بخيار الردع، معتبراً الحضور بمثابة نداء أمة للمطالبة بـ«الثأر» لرحيل خامنئي الذي لقى حتفه في الساعات الأولى من الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في 28 شباط الماضي، مؤكداً أن هذا النداء يجب أن يتردد صداه في آذان العالم أجمع، وسط تحذيرات عسكرية إيرانية صارمة لواشنطن وتل أبيب من الإقدام على أي ضربات أو اعتداءات جديدة قبيل إتمام الجنازة الرسمية.

