«اتفاق الإطار» تحت مجهر التسوية: هل يذهب «الثنائي الشيعي» نحو خيار إسقاط التفاهم أم المقايضة السياسية؟

نبيه بري وحزب الله

يدخل لبنان في نفق اشتباك سياسي محتدم ومفتوح على قراءات متناقضة حول «اتفاق الإطار» الذي وقّعه مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية. هذا التباين الحاد يضع البلاد أمام فرز سياسي واضح؛ فمن جهة، تقف أكثرية سياسية وشعبية وازنة تتمسك بالاتفاق وتدافع عنه، ملتفةً خلف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في خيارهما الدبلوماسي.

وفي المقابل، يبرز موقف «الثنائي الشيعي» (حركة أمل وحزب الله) الذي يرى في «مذكرة التفاهم» الأميركية-الإيرانية البديل الأفضل للضغط على إسرائيل لإجبارها على الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول حدود هذا الاعتراض ومآلاته على الاستقرار الحكومي والوطني.

معادلة بري: لا إسقاط على طريقة «17 أيار» ولا انسحاب من الحكومة

يكشف مصدر سياسي لـ«الشرق الأوسط» عن خلفيات الموقف الذي يتخذه رئيس مجلس النواب نبيه بري، مشيراً إلى أن إصرار «الثنائي الشيعي» على رفع السقوف السياسية ورفض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، والاستعاضة عنها بمسار تفاوضي غير مباشر مستند إلى المذكرة الأميركية-الإيرانية، لا يعني بالضرورة الذهاب إلى خيارات تدميرية للداخل.

وينقل المصدر عبر «الشرق الأوسط» أن الرئيس بري لا يملك أي توجه لتشكيل جبهة سياسية مناوئة لـ«اتفاق الإطار» تدعو لإسقاطه على غرار جبهة إسقاط «اتفاق 17 أيار» الشهير؛ إذ إن الظروف المحلية والإقليمية والدولية الراهنة تختلف تماماً عن ظروف ثمانينيات القرن الماضي. ويوضح المصدر أن الدليل القاطع على مرونة بري وحرصه على عدم أخذ البلد إلى حائط مسدود يكمن في خطين حمراوين وضعهما للحفاظ على التوازن:

  1. التمسك بالاستقرار الحكومي: رفض بري القاطع لسحب وزرائه أو الوزراء الذين يدورون في فلكه من الحكومة، مؤكداً على بقائهم لمنع سقوط الهيكل التنفيذي للدولة.
  2. شطب خيار الشارع: رفض استخدام الشارع كوسيلة للضغط أو لإسقاط الاتفاق، وذلك لقطع الطريق على «تطييف» الانقسام السياسي واستدراج البلاد إلى فتنة داخلية بغنى عنها.

افتراق الحلفاء: سقف «حزب الله» المرتفع ومرونة «عين التينة»

وفي حين يتقاطع «الثنائي الشيعي» على الملاحظات الجوهرية، تلفت المصادر السياسية إلى وجود تمايز في الأداء بين طرفيه؛ فبينما يرفع «حزب الله» سقف مطالبه السياسية علناً بالدعوة الصريحة إلى إسقاط «اتفاق الإطار»، يبدو الرئيس بري أكثر ميلاً لفتح نوافذ التسوية والمقايضة.

إقرأ أيضا: حرب الرئيس الدبلوماسية تسقط أقنعة الممانعة: اتفاق الإطار لبناني خالص.. ولو كان بإملاء إيراني لبلعوا ألسنتهم!

وينقل زوار بري عنه تأكيده الحاسم: «إن الاستقرار كان ولا يزال أمانة عندي ولن أفرّط به، وإن النيل من قائد الجيش العماد رودولف هيكل يؤدي إلى خراب البلد». وفي المقابل، يرى بري أن «اتفاق الإطار لن يرى طريقه إلى التطبيق بحالته الراهنة»، وهو موقف تشخيصي للصعوبات الميدانية وليس دعوة للإسقاط العسكري أو السياسي، مما يفتح الباب أمام تسوية محتملة مع رئيس الجمهورية تقوم على تعديل بعض البنود، وأبرزها:

  • استبدال صيغة «المناطق التجريبية» بنموذج «القضاء التجريبي» لنشر عناصر الجيش اللبناني.
  • إلزام الجانب الإسرائيلي بتحديد جدول زمني واضح ونهائي للانسحاب.

صعوبة التطبيق واستحالة الإلغاء: الكرة في الملعب الأميركي

أمام هذه التوازنات المعقدة، يؤكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «اتفاق الإطار» محكوم اليوم بمعادلة دقيقة قوامها: وجود صعوبة بالغة في تنفيذه بصيغته الحالية، يقابلها استحالة مطلقة لإسقاطه. وبناءً على ذلك، تصبح كلمة الفصل والمسؤولية ملقاة على عاتق الولايات المتحدة الأميركية كراعٍ للاتفاق.

ويرى المصدر أن التدخل الأميركي بات أمراً ملحاً لسببين رئيسيين:

  • أولاً: إلزام إسرائيل بتثبيت وقف إطلاق النار الفعلي، إذ لا يمكن استكمال التفاوض وتصويب البنود تحت ضغط النار والتهديد المستمر.
  • ثانياً: التجاوب مع تعديلات بري التي تهدف بالدرجة الأولى إلى «استيعاب حزب الله» وإلزامه بوقف إطلاق النار، وتسهيل انتشار الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني.

ويرتبط هذا الانتشار شرطياً بإخلاء المنطقة من السلاح غير الشرعي؛ وهو السلاح الذي كان يُفترض إخلاؤه لحظة التوافق على وقف الأعمال العدائية، من خلال تسليم الحزب خريطة منشآته العسكرية والأنفاق للجيش اللبناني، خصوصاً بعد أن تمكن الجيش الإسرائيلي من تدمير واكتشاف أجزاء منها ومصادرة محتوياتها القتالية.

رهان التسوية يطوق خيارات التصعيد

في المحصلة، يتبين أن خيار انسحاب وزراء «الثنائي الشيعي» من الحكومة أو الذهاب إلى صدام ميداني مباشر لإسقاط الاتفاق هو خيار مستبعد فاقد للمقومات السياسية الوطنية. فالرئيس بري، ومعه طيف واسع يضم رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط (الذي يطالب بإدخال ركائز «اتفاقية الهدنة» لتحسين النص)، إلى جانب شخصيات تدور في فلك عون وسلام، يراهنون جميعاً على «تسوية تصحيحية». وبما أن العودة عن «اتفاق الإطار» باتت خلف الظهر بفعل التأييد الأكثري له، فإن المشهد اللبناني محكوم بانتظار مساعي واشنطن لتدوير الزوايا، وتعبيد الطريق نحو صيغة قابلة للحياة والعبور بالبلاد إلى مرحلة التنفيذ.

السابق
رؤية الأمين وفحص تتصدر المشهد: زيارة الشيباني تُثبت صوابية الاستشراف الشيعي الباكر