في زيارة تاريخية لبيروت.. وزير خارجية سوريا: منفتحون على الحوار مع «حزب الله» إذا اقتضت مصلحة البلدين

عون و الشيباني
في مشهد سياسي ديبلوماسي يحمل أبعاداً استراتيجية بالغة الدلالة، تعيش العاصمة اللبنانية بيروت على وقع زيارة رسمية تاريخية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وهي الثانية له، لتكريس نمط جديد من العلاقات الثنائية القائمة على مبدأ «ندّ لندّ» ومن دولة إلى دولة. وتكتسب هذه المحادثات زخماً استثنائياً تزامناً مع الأحاديث المتداولة عن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إيجاد دور سوري محوري يتعلق بملف سلاح «حزب الله».

وجاءت لقاءات الشيباني المكثفة مع أركان الدولة اللبنانية والقوى السياسية والروحية لتؤكد رغبة القيادة السورية الجديدة، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، في طي صفحة التدخلات المتبادلة والوصاية السابقة، واستبدالها بشراكة مؤسساتية واقتصادية وأمنية واضحة.

وحملت الزيارة في طياتها مبادرة سياسية سورية تهدف إلى مساعدة لبنان على حصر السلاح بيد الدولة عبر مسار سياسي توافقي يجنب البلاد الصدامات الأمنية، بالتوازي مع تعزيز التنسيق الميداني لضبط الحدود المشتركة ومنع عمليات التهريب بكافة أنواعها.

المحادثات الرسمية في السراي الحكومي وإنشاء اللجنة العليا

عقد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في السراي الحكومي جلسة مباحثات موسعة مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، تركزت على آفاق التعاون وتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين.

  • توقيع الاتفاقية التاريخية: أعقب الاجتماع توقيع رئيس الحكومة نواف سلام وممثل وزير الخارجية السوري على اتفاقية مشتركة لإنشاء «اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة»، لتكون منصة رسمية دورية تضم الوزراء المعنيين لتفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم.
  • مؤتمر صحافي مشترك: خلال المؤتمر الصحافي، رحّب سلام بالوفد السوري، معتبراً أن الزيارة تأتي استكمالاً لزيارته الدمشقية قبل شهر ونصف، وتُثبت العمل السريع لإعادة العلاقات على أسس سليمة مبنية على المصالح المشتركة.
  • ملفات التعاون المطروحة: أشار سلام إلى أن خطط التعاون الفوري تشمل:
    1. مسألة الربط الكهربائي بين لبنان وسوريا وعبرها.
    2. قطاع النقل وتسهيل تبادل البضائع وحركة الأشخاص.
    3. تشكيل «مجلس أعمال لبناني – سوري» الذي يعقد اجتماعه الأول اليوم لتعزيز مجالات الاستثمار والاقتصاد.
  • موقف الشيباني: شكر الوزير السوري سلام على الحوار الصريح، مؤكداً أن هذه المنصة ستكون أساساً لترسيخ علاقات صحية ومستدامة، وتشمل تفاهمات أمنية واقتصادية شاملة، تهدف إلى تجاوز «الإرث السيئ» الذي عانى منه الشعبان وإنهاء الصراعات في المنطقة. وفي ختام اللقاء، قدّم سلام للشيباني مجسماً تذكارياً للأرزة اللبنانية.

الشيباني في بعبدا: السيادة وضبط الحدود

استهل وزير الخارجية السوري جولته الرسمية بزيارة رئيس الجمهورية جوزف عون في قصر بعبدا، بحضور وفدي البلدين، حيث تسلم الشيباني دعوة رسمية من الرئيس عون لزيارة دمشق وعقد قمة ثنائية مع الرئيس أحمد الشرع.

  • تحيات متبادلة وفلسفة الجوار: حمّل الرئيس عون الوزير الشيباني تحياته إلى الرئيس أحمد الشرع، مثنياً على مواقفه المسؤولية حيال عدم التدخل في الشؤون اللبنانية. وأكد عون أن لبنان متمسك بعلاقات أخوية تحترم خصوصية البلدين، معتبراً أن ما يصيب سوريا إيجاباً أو سلباً ينعكس حتماً على لبنان.
  • الملف الأمني والحدود: أعرب عون عن ارتياحه التام لمستوى التنسيق الأمني لضبط الحدود البرية، ومنع تهريب السلاح، والمخدرات، والأشخاص بالاتجاهين، كما شدد على الموقف اللبناني الثابت الداعي للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية والسورية المحتلة لتنعم المنطقة بالاستقرار.
  • توضيح سوري حاسم: حرص الوفد السوري على تبديد اللغط حول فرضية التدخل العسكري السوري في لبنان، حيث أكد الشيباني بشكل حازم أنه «لا توجد أي نية للقيام بمثل هذه الخطوة»، مشدداً على أن سوريا الجديدة ترى في لبنان شريكاً سيادياً وتدعم خيارات دولته ومؤسساتها، وتطمح لبناء شراكات اقتصادية وطاقوية ممتدة نحو دول الخليج العربي.

عين التينة: الانفتاح على المكونات اللبنانية ومستقبل العلاقة مع «حزب الله»

التقى الوزير الشيباني رئيس مجلس النواب نبيه بري في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، حيث جرى استعراض المستجدات الإقليمية وسبل تخفيف الاحتقان السياسي الداخلي.

  • رسالة الانفتاح الشامل: وصف الشيباني لقاءه بالرئيس بري بـ«الممتاز جداً»، مؤكداً أن وجود الوفد السوري في بيروت هو رسالة محبة وتعاون موجهة إلى كافة المؤسسات والمكونات اللبنانية بلا استثناء.
  • الموقف من الحزب: وفي رده على سؤال صحافي حول إمكانية الجلوس مع «حزب الله» على طاولة واحدة، أوضح الشيباني:

“لقاءاتنا اليوم مجدولة كلها مع الفرقاء والأطراف اللبنانية وأيضاً مع الحكومة اللبنانية، واليوم لا يوجد لقاء مع حزب الله، لكن في المستقبل إذا كان هناك من مصلحة تصب لصالح البلدين بالتأكيد نحن منفتحون على ذلك.”

دار الفتوى: مباركة روحية وتأكيد على سيادة الدولة

في إطار لقاءاته مع المرجعيات الروحية، زار وزير الخارجية السوري مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان في دار الفتوى ببيروت، بحضور عدد من علماء الدين.

  • دعم بسط السلطة: نقل الشيباني للمفتي تحيات ومحبة الرئيس السوري أحمد الشرع، فيما أثنى المفتي دريان على الجهود السورية الجديدة وحرص القيادة في دمشق على سيادة لبنان، ووحدته، وعروبته، وبسط سلطة الدولة الشرعية على كامل أراضيها.
  • النأي عن المحاور: عوّل المفتي دريان على توقيت هذه الزيارة في ظل الظروف الإقليمية المعقدة، مؤكداً أن لبنان سيبقى عمقاً متضامناً مع أشقائه العرب بعيداً عن سياسات المحاور والنزاعات الضيقة.

البيت المركزي للكتائب وكليمنصو: كسر القيود التاريخية

شهدت الجولة لقاءات ذات رمزية سياسية وتاريخية خاصة، عكست رغبة القوى التي ناصبت النظام السوري السابق العداء في مد الجسور مع العهد الجديد في دمشق.

  • لقاء الحزب التقدمي الاشتراكي: استقبل رئيس الحزب السابق وليد جنبلاط الوزير السوري في مقر إقامته في كليمنصو، وأطلق جنبلاط موقفاً بارزاً عقب اللقاء قال فيه: «النظام السابق انتهى، وعلينا فتح صفحة جديدة من العلاقات السياسية والاستراتيجية».
  • زيارة الصيفي والرمزية الخاصة: زار الشيباني رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل في البيت المركزي للحزب في الصيفي. وأشار الشيباني إلى أن سوريا الجديدة تنظر للبنان كدولة مستقلة كلياً، بينما صرّح الجميّل قائلاً:

“أرحب بالوزير الشيباني في بيت الكتائب، وهذه الصورة لها رمزية خاصة، فحزب الكتائب قدّم شهداء سقطوا نتيجة تدخل النظام السوري السابق، وهو اليوم يستقبل سوريا الجديدة.” وتمنى الجميّل أن تثمر هذه الخطوة استقراراً سياسياً وتكاملاً اقتصادياً مبنياً على الاعتراف بالخصوصية الوطنية.

محطة طرابلس المرتقبة: دلالات الصلاة في مسجد السلام

وفقاً لبرنامج الزيارة، يتوجه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني غداً الجمعة إلى عاصمة الشمال طرابلس، في جولة تقتصر على الأبعاد الرمزية والشعبية دون جدول اجتماعات مع القيادات السياسية بالمدينة.

  • صلاة الجمعة والعدالة المعنوية: من المقرر أن يؤدي الشيباني صلاة الجمعة في «مسجد السلام» الأثري، ثم يجول في أسواق طرابلس القديمة.
  • الأبعاد السياسية: لا تعد هذه المحطة تفصيلاً بروتوكولياً؛ فمسجد السلام ارتبط تاريخياً بواحد من أعنف التفجيرات الدموية التي خطط لها النظام السوري السابق خلال سنوات الحرب السورية. ويرى مراقبون أن اختيار أول وزير خارجية لسوريا الجديدة الصلاة في هذا الموقع بالذات، يحمل اعترافاً ضمنياً بالذنب السابق ورسالة اعتذار عملية، تعيد العدالة المعنوية لشهداء التفجير وتؤكد طي الحقبة الماضية بشكل نهائي.
السابق
الصدمات النفسية جنود الجيش الإسرائيلي: «26 ألف جريح» في اليوم الألف للحرب وتحذيرات من انهيار منظومة التأهيل
التالي
حرب الرئيس عون الدبلوماسية تسقط أقنعة الممانعة: اتفاق الإطار لبناني خالص.. ولو كان بإملاء إيراني لبلعوا ألسنتهم!