اشتهر ثنائي رئيس حركة “أمل” نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي وليد جنبلاط بأنهما أبطال إسقاط اتفاق 17 أيار عام 1983، وها هو الثنائي نفسه، بعد 43 عامًا، يشيدان بمزايا هذا الاتفاق. وأتت هذه الإشادة في معرض انتقاد الاتفاق الإطاري الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في 26 حزيران 2026.
من إسقاط 17 أيار إلى الإشادة به
انطلق الثنائي الشهير في ذلك التاريخ بمعارضة كانت ذروتها الكبرى “انتفاضة 6 شباط 1984” ضد حكم الرئيس أمين الجميل، وأدت إلى انقسام الجيش اللبناني ودخول القوات السورية مجددًا إلى العاصمة اللبنانية، بعدما غادرتها إبان الاجتياح الإسرائيلي الشهير للبنان عمومًا ولبيروت خصوصًا عام 1982.
سيطول الحديث عن تلك المرحلة من تاريخ لبنان المشؤوم. لكن ما يمثل تطورًا يستحق الانتباه اليوم هو مبادرة الشخصيتين البارزتين في إسقاط اتفاق 17 أيار إلى الإشادة به الآن. ونتوقف هنا عند التفاصيل:
بري: عشر مرات 17 أيار ولا هذا الاتفاق
في حديثه الأخير إلى “الأخبار”، وصف بري اتفاق واشنطن بأنه “إملاءات”، وهو أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار 1983، الذي كان رئيس حركة “أمل” أحد أبرز قادة المواجهة السياسية والشعبية لإسقاطه. وأضاف: “عشر مرات 17 أيار ولا هيدا الاتفاق”. لكن بري، في المقابل، شدّد على عدم الانجرار إلى أي تحركات في الشارع أو ردود فعل قد تُستغل لإدخال البلاد في دوامة من الفوضى والاقتتال الداخلي.
جنبلاط: يا محلا اتفاق 17 أيار أمام اتفاق اليوم
من ناحيته، شارك الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مذكراته الصادرة عن دار “ستوك” الفرنسية، في كتاب بعنوان “Un Destin au Levant – قدر من المشرق”.
وبعد أن أهدى نسخة إلى رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل، أجرى الأخير اتصالًا بجنبلاط لشكره على الإهداء، حيث دار بينهما نقاش استعادا خلاله مرحلة اتفاق 17 أيار 1983 والمواجهة السياسية التي حصلت بينهما آنذاك.
وخلال الحديث، قال جنبلاط: “يا محلا اتفاق 17 أيار أمام اتفاق اليوم”، في موقف لافت يعكس انتقاده للاتفاق الحالي.
كما أرسل جنبلاط نسخة من مذكراته إلى رئيس الجمهورية الأسبق ميشال عون، عبر صديق مشترك هو ناجي الخوري.
وكان جنبلاط كتب عبر «أكس»: “على سبيل التذكير، فإن اتفاق الهدنة أساس في العلاقات بين الدولة اللبنانية و”إسرائيل”، كما هو جزء لا يتجزأ من اتفاق الطائف، وقد ذكره خطاب القسم وأكده البيان الوزاري، إلا أن كبار المفاوضين، مع نخبة المستشارين في بعبدا وثلة الاختصاصيين في السراي، ارتأوا إغفاله، إن لم نقل حذفه”.
الثنائي الجديد وخطوطه الحمراء
انتهى ثنائي بري-جنبلاط منذ عقود، وحلّ مكانه، ولا يزال، ثنائي “أمل”-“حزب الله”. وقرر الثنائي الحالي خوض غمار إسقاط اتفاق الإطار.
واختار بري، الذي هو بمثابة “الأخ الأكبر” في الثنائي، ألّا يعود إطلاقًا إلى مرحلة إسقاط اتفاق 17 أيار وأدواتها. وتصدرت تلك الأدوات انقسام الجيش. وذهب بري، في هذا الإطار، إلى التوقف في حديثه الصحفي الأخير حول ما يتم تداوله بشأن وجود توجه لإقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، فأبدى بري موقفًا حاسمًا، قائلًا: “لا يمزحنّ أحد هذه المزحة، ولا يلعبنّ أحد بالجيش”، مشددًا على أن المؤسسة العسكرية “خط أحمر وتشكل أحد أعمدة الاستقرار الوطني والضمانة الأساسية لحماية السلم الأهلي”.
قال جنبلاط: “يا محلا اتفاق 17 أيار أمام اتفاق اليوم”، في موقف لافت يعكس انتقاده للاتفاق الحالي.
من يريد إسقاط قائد الجيش؟
يجيب النائب السابق في كتلة “حزب الله” النيابية نواف الموسوي قائلًا إن رئيس الجمهورية طلب من قائد الجيش تقديم استقالته، مضيفًا: “إذا قبضاي طلاع قول مش صحيح”.
أتى الجواب سريعًا من قصر بعبدا في اليوم التالي، عندما استقبل رئيس الجمهورية جوزاف عون قائد الجيش العماد رودولف هيكل. وأفادت المعلومات الرسمية حول اللقاء أن الرئيس عون نوّه بـ”الدور الذي يقوم به الجيش، قيادةً وضباطًا وأفرادًا، لبسط سلطة الدولة وحفظ الأمن والاستقرار في البلاد وضبط الحدود وحماية السلم الأهلي”، مؤكدًا أن “ما تتعرض له المؤسسة العسكرية وقيادتها من حين إلى آخر من حملات تشكيك وافتراء لن يؤثر على أدائها الوطني الملتزم قرارات السلطة السياسية، أو على ثقة المسؤولين واللبنانيين بها”.
وظهر في الصورة التي رافقت نبأ لقاء رئيس الجمهورية وقائد الجيش انشراح وود بين الرجلين، فكانت الصورة بمثابة “القبضاي” الذي تحدث عنه نواف الموسوي.
اختار بري، الذي هو بمثابة “الأخ الأكبر” في الثنائي، ألّا يعود إطلاقًا إلى مرحلة إسقاط اتفاق 17 أيار وأدواتها.
واشنطن تدخل على الخط
تحاشى الآسفون على اتفاق 17 أيار الإشارة إلى موقع الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق الجديد. وكذلك تحاشى “حزب الله” الحديث عن زيارة قائد المنطقة الوسطى في القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر إلى لبنان، قادمًا من إسرائيل.
وقد استقبل رئيس الجمهورية الجنرال الأميركي، الذي رافقه رئيس فريق الميكانيزم الجنرال جوزف كليرفيلد. كما زار كوبر والوفد المرافق قائد الجيش العماد رودولف هيكل.
ثم أعلنت السفارة الأميركية في بيروت، في بيان، أن الزيارة تأتي “في أعقاب توقيع اتفاق الإطار التاريخي في واشنطن العاصمة في 26 حزيران 2026”.
وأشارت إلى أن “الاجتماع تناول البحث في مسار المرحلة المقبلة والإطلاق الرسمي لتنفيذ اتفاق الإطار، بما يهدف إلى البناء بسرعة وبشكل ملموس على الزخم الذي ولّده هذا الاتفاق”.
وأوضحت السفارة أن “هذا الاتفاق يضع مسارًا واقعيًا للخروج من النزاع القائم، ويؤسس لعملية واضحة ومنظمة تهدف إلى استعادة سيادة لبنان ونزع سلاح حزب الله”.
أتى اتفاق 17 أيار بعدما بات لبنان خاليًا من السلاح الفلسطيني. أما اتفاق الإطار، فأتى ولا يزال سلاح “حزب الله” موجودًا.
بين 17 أيار و26 حزيران
يستطيع المرء، من خلال مقارنة هادئة بين اتفاق الإطار واتفاق 17 أيار، أن يتبين أن الاتفاق الأخير أتى بعدما رحلت قيادات منظمة التحرير الفلسطينية وأسلحتها عن لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي صيف 1982.
أما اليوم، وبعد الكوارث التي حلّت بلبنان منذ 2 آذار، بعدما قرر الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم فتح الحرب مع إسرائيل ثأرًا لمقتل المرشد علي خامنئي، وُلد اتفاق الإطار، وسلاح الحزب ما زال موجودًا، بعدما رحلت السيادة والسكان عن معظم الجنوب.
أتى اتفاق 17 أيار بعدما بات لبنان خاليًا من السلاح الفلسطيني. أما اتفاق الإطار، فأتى ولا يزال سلاح “حزب الله” موجودًا.
لماذا يستحق 17 أيار المديح؟
يستحق 17 أيار المديح، كما فعل بري وجنبلاط، لأنه لم يترك لإسرائيل ذريعة للبقاء، ألا وهي السلاح الفلسطيني.
ويستحق 26 حزيران البكاء، لأنه شهد ولادة اتفاق بذريعة وجود سلاح “حزب الله”.
وما يزيد الحزن والبكاء، وحتى اللطم، أن “حزب الله” يفضل الاحتلال على نزع السلاح.
هل يجرؤ المشاركون في جوقة الغزل بـ17 أيار على الإشارة إلى هذا الأمر؟

