كيف حوَّل خطاب حزب الله القضية من الأرض إلى السلاح ؟

ياسين شبلي

مع تطبيق وقف إطلاق النار الشامل – ولو إنتقائياً من الجانب الإسرائيلي – بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركي – الإيراني ، الذي رأى فيه البعض كالعادة ” إنتصاراً ” جاءت به إيران للجنوب اللبناني وأهله بناءً على فحوى خطابه المتقلب وروايته للأحداث التي تلخص نظرته لمجريات الصراع ، التي فيها الكثير من قلب الحقائق حتى لا نقول الكذب والتضليل للرأي العام ، بات من الواجب نقاش هذا الخطاب وتقلباته وخلاصاته سواء في الشكل أو المضمون بعد ما جرَّه من مآسٍ ونكبات على الشيعة اللبنانيين والجنوبيين تحديداً وبالتالي على جميع اللبنانيين .

نبدأ بحرب ” الثأر للمرشد ” التي بدأت بإطلاق ستة صواريخ على إسرائيل ليلة الثاني من آذار ، ففي حين بدأ الحديث عن ” ثأر للدم الزاكي لولي أمر المسلمين علي خامنئي ” لتأتي بعدها جملة ” ودفاعاً عن لبنان وشعبه في إطار الرد على الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة ” في المقام الثاني وكأنها لزوم ما لا يلزم ، إتخذت الأمور منحىً آخر بعد ردات الفعل التي أعقبت الرد الصهيوني والتهجير الذي تعرض له المواطنون في منتصف ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك ، إذ بدأ الحديث عن ” مظلومية ” ال 15 شهراً من الصبر على القتل مع الإدعاء بأن هذا الصبر كان لإعطاء الدولة والدبلوماسية فرصة لتحرير الأرض ووقف الإعتداءات ففشلت من وجهة نظره ، مع تجاهل تام لمقتضيات وقف إطلاق النار الذي فاوض عليه ” الأخ الأكبر ” ، وهي تسليم السلاح للدولة إبتداءً من جنوب الليطاني الأمر الذي لم يتم .

وهكذا بات الأمر يبدو – بحسب خطاب حزب الله – وكأن المشكلة بدأت في 27 تشرين الثاني 2024 ، في تجاهل تام لحرب الإسناد التي فجَّرها الحزب في الثامن من تشرين الأول عام 2023 ، بعد حوالي 17 عاماً من الهدوء بعد حرب 2006 التي فجَّرها أيضاً حزب الله عندما خطف جنديين إسرائيليين في تناغم واضح مع خطف حركة حماس يومها للجندي للإسرائيلي جلعاد شاليط في غزة ، بحيث بدا الأمر وكأنه منسق بين الطرفين وبأن المايسترو واحد وهو القابع في طهران ، في وقت كانت المنطقة ولبنان تغلي على وقع تداعيات إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإنسحاب الجيش السوري من لبنان بعد ثلاثة عقود من الإحتلال ، في محاولة من إيران للحلول مكانه في قيادة ما يسمى بمحور الممانعة .

بدا الأمر وكأنه منسق بين الطرفين وبأن المايسترو واحد وهو القابع في طهران ، في وقت كانت المنطقة ولبنان تغلي على وقع تداعيات إغتيالالحريري

حرب 2006 للتذكير والتي أُعلنت أيضاً ” إنتصاراً إلهياً ” يومها هي الحرب التي أتت بالقرار 1701 ، الذي بات مذاك هو المرجعية بالنسبة للوضع في الجنوب ، بعد أن أعاد التحرير عام 2000 مرجعية الوضع في الجنوب – نسبياً – إلى إتفاقية الهدنة التي يطالب بها الجميع اليوم في لبنان ، مع الخلاف حول عدد من النقاط على الخط الأزرق كان يمكن التفاوض بشأنها ، والعودة بالوضع إلى ما كان عليه قبل الوجود الفدائي الفلسطيني وإتفاقية القاهرة في جنوب لبنان ، وهكذا نرى بأن أصل المشكلة الحالية في الحقيقة ليست فقط بحربي الإسناد الأولى والثانية ، ولا بحرب ال 2006 ، بل أن جذورها تعود إلى العام 2000 عندما تفتقت عبقرية الممانعة عن إستحضار مزارع شبعا بإعتبارها أرضاً لبنانية محتلة لتبرير الإحتفاظ بالسلاح ، متجاهلين بأنها ليست مشمولة بالقرار 425 الذي كان يُشكل الغطاء الشرعي لمقاومة الإحتلال ، بل هي خاضعة للقرار 242 للعام 1967 غداة إحتلالها في حرب ذلك العام وكانت تحت السيطرة السورية آنذاك .

هذه الحقيقة هي التي يسعى ويحرص دائماً حزب الله وإعلامه على تغييبها قصداً أو تشويهها على أقل تقدير ، وذلك عبر إجتزاء للأحداث وفصلها عن سياقها الطبيعي وتقديم ” خبريات ” يوزعها على بعض أبواقه المعروفين ، الذين يملأون الشاشات ليرمونها في سوق التضليل بطريقة منسقة ومفضوحة والتي قد تمر على البسطاء من الناس ، لكنها لا تجد طريقها لدى أي من المراقبين الموضوعيين المتابعين عن قرب للشأن السياسي العام في البلد والمنطقة .

آخر هذه الخبريات أن إيران بضربها إسرائيل مؤخراً ” دفاعاً ” عن الضاحية الجنوبية ولمرة واحدة فقط ، إنما دخلت الحرب دفاعاً عن لبنان وعجَّلت بوقف إطلاق النار وتوقيع مذكرة التفاهم مع أميركا ، وعلى هذا الأساس أعلن الحزب وجماعته الإنتصار وكأن مذكرة التفاهم هي إستسلام أميركي – إسرائيلي لها ، جاهلين والأرجح متجاهلين بأن الدول ومنها إيران ليست بجمعيات خيرية تدخل الحروب دفاعاً عن الآخرين ، بل هي كيانات لها مصالحها التي تحارب بكل الوسائل إذا إقتضى الأمر دفاعاً عنها ، من هذا المنطلق جاء الرد الإيراني الأخير والوحيد على العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية فكان لزوم رفع السقف في لحظة دقيقة من مسار التفاوض مع أميركا ، وإلا لماذا لم تدافع إيران عن لبنان طيلة هذه السنوات أو أقله منذ بداية الحرب الأخيرة ؟ الجواب لأنها تحارب بتوقيتها ولمصلحتها فقط لا غير ، فضلاً عن عامل آخر قد يكون غاب عن ذهن الكثيرين ، وهو معنى أن تدخل إيران وهي الطرف الأصيل في المعادلة ، المعركة بنفسها بديلاً عن الوكيل ، هذا العامل في مثل هذه الظروف قد يكون يؤشر إلى ضعف ما ووهن أصاب الوكيل اللبناني بشقيه العسكري وهو حزب الله بحيث بات غير قادر على تغيير المعادلات أو إيذاء العدو ، وشقه السياسي المتمثِّل بالرئيس نبيه بري الذي بدا خارج المعادلة التفاوضية السياسية بإستثناء إتصالاته الإيرانية التي جعلته يبدو وكأنه ملحقاً بها ، ما إضطر إيران للتدخل بنفسها في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في اللحظات الحاسمة من وقت المفاوضات وهكذا كان ، والدليل بأن الإعتداءات الصهيونية إستمرت بعدها حتى مشارف بيروت عبر الإغتيالات ، ومستمرة في الجنوب بالرغم من التحذيرات الإيرانية التي عادت إلى صيغتها القديمة من تهديد ووعيد .

هكذا تحوَّلت القضية مع مرور الزمن ومنذ العام 2000 ، من قضية الأرض وتحريرها والتمسك بها كما كان الأمر قبل التحرير ، إلى قضية السلاح والتمسك به ولو على حساب الجغرافيا والناس ومصيرها

بهذا الخطاب وهذه الروايات والخبريات المجتزأة التي يطلقها حزب الله وأبواقه الإعلامية ، ويغلفها بشعارات دينية تعد بالنصر والسعادة عبر الإستشهاد ، يتم تغييب المنطق وتشويش الفكر لدى الغالبية من الناس البسطاء ، بحيث يبدو الحديث عن عدم التمسك بالجغرافيا أمام العدو تكتيكاً جهادياً بهدف الإنتصار النهائي ، ويصبح التحسُّر على الخسائر والأرزاق عاراً يستحق التقريع والمقاطعة للشخص في بعض الأحيان ، وهكذا تحوَّلت القضية مع مرور الزمن ومنذ العام 2000 ، من قضية الأرض وتحريرها والتمسك بها كما كان الأمر قبل التحرير ، إلى قضية السلاح والتمسك به ولو على حساب الجغرافيا والناس ومصيرها ، دفاعاً عن إيران ومصالحها وهو ما لا يخفيه قادة حزب الله بل يتفاخرون به ، كما تفاخر به مؤخراً رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عندما قال صراحة بأن لبنان دفع من الضحايا أكثر مما دفعت إيران ، وحارب أكثر مما حاربت دفاعاً عنها وعن مصالحها ، وهذا في عُرف الدول والمبادئ الوطنية يمثِّل إدانة كبرى بحق حزب الله الذي يبدو تبعاً لهذا القول كتنظيم من المرتزقة ، بينما يستمر بخطابه التضليلي والمجافي للحقيقة والمنطق سواء عبر مسؤوليه أو أدواته الإعلامية دون وازع من ” ضمير وطني ” كان يجب أن يصحو على وقع المآسي والنكبات التي تسبَّب بها هذا النهج بحق الوطن والناس والقضية .

السابق
بلاسخارت في رسالة وداع للبنان: السلاح خارج سلطة الدولة عمّق الانقسامات!