حين يصبح الجار خصمًا والحرب معلّمًا سيئًا

الشيخ عباس حايك

بعد كل حرب، يقف الناس أمام مرآتين: مرآة الخسارة ومرآة الحكمة. بعضهم ينظر إلى الأولى فيرى حجم الخراب الذي أصابه، وبعضهم ينظر إلى الثانية فيسأل: ماذا تعلمنا من كل هذا الألم؟

لكن يبدو أن هناك من يفضّل مرآة ثالثة؛ مرآة البحث عن متهمين جدد.

فبدلاً من أن يقودنا الدمار إلى مراجعة الذات، يقود بعض الخطباء والناشطين الحزبيين جمهورهم إلى معارك داخلية لا تقل خطورة عن المعارك العسكرية نفسها. فتصبح القرية التي نجت موضع شبهة، والطائفة التي حاولت حماية أبنائها موضع اتهام، والجار الذي شاركنا الخوف والنزوح خصماً ينبغي التحريض عليه.

الحرب الأخيرة لم تكن رحيمة بأحد. سقط الضحايا من مختلف المناطق، وتهجّرت العائلات من بيوتها، وخسر اللبنانيون جميعاً شيئاً من أمنهم وأحلامهم. ومع ذلك، يصرّ البعض على تقسيم الألم طائفياً، وكأن المأساة تحتاج إلى هوية مذهبية قبل الاعتراف بها.

ليس عيباً أن تدافع المرجعيات الدينية عن أبناء بيئاتها. فهذا جزء من دورها الطبيعي. لكن العيب أن يتحول هذا الدفاع إلى مناسبة للشكوى من نجاة الآخرين، أو إلى خطاب يوحي بأن حماية منطقة ما كانت اعتداءً على منطقة أخرى.

لقد فتحت كنائس وأديرة ومؤسسات وجمعيات كثيرة أبوابها للنازحين من دون أن تسألهم عن انتمائهم السياسي أو المذهبي. كما فتحت مساجد وحسينيات وبيوت كثيرة أبوابها أمام المحتاجين. وفي لحظات الخوف الكبرى، تصرف اللبنانيون كبشر قبل أن يتصرفوا كأبناء طوائف.

لهذا يبدو مؤسفاً أن يأتي من يعيدنا إلى لغة الفرز والتصنيف بعد أن دفعت البلاد أثماناً باهظة بسبب الانقسامات.

إن أخطر ما تخلّفه الحروب ليس الدمار المادي فقط، بل الأفكار التي تنمو فوق أنقاضه. فعندما يتعلم الناس أن يحمّلوا جيرانهم مسؤولية مآسيهم، تصبح المصالحة أكثر صعوبة، ويصبح المستقبل أكثر هشاشة.

لبنان لا يحتاج اليوم إلى خطباء يوزعون الاتهامات، ولا إلى تجار غضب يستثمرون في الجراح المفتوحة. ما يحتاجه هو خطاب يعترف بالألم المشترك، ويحترم حق الجميع في الحياة والأمان، ويبحث عن أسباب الكارثة الحقيقية بدل البحث عن خصوم جدد داخل الوطن.

فالجار ليس عدواً، والاختلاف ليس خيانة، والنجاة ليست جريمة.

وإذا كانت الحروب تعلّم شيئاً، فيفترض أن تعلّمنا كيف نكون أكثر إنسانية، لا أكثر خصومة.

السابق
مفاوضات «بورجنشتوك»: قمة ثلاثية في سويسرا لإنقاذ جبهة لبنان.. وطهران تهدد بإغلاق مضيق هرمز نهائياً