ترسيخ وقف إطلاق نار ذي مغزى بين إسرائيل ولبنان

المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية

يقف الشرق الأوسط اليوم عند حافة انعطافة تاريخية بالغة الحساسية، تتداخل فيها غرف التفاوض المغلقة في منتجع بورجنشتوك السويسري مع صرير المجنزرات وأصوات المدافع المستعرة في جنوب لبنان؛ حيث باتت جبهة “بلد الأرز” تمثل بيضة القبان الإستراتيجية التي يرتكز عليها نجاح أو انهيار مذكرة التفاهم الإقليمية المبرمة حديثاً بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والمعروفة بـ “تفاهم فرساي”. وجاء الارتفاع الملحوظ في حدة العمليات الحربية والخروقات المتتالية ليضع التهدئة الهشة أمام اختبار حقيقي، بعد أن تسبب التصعيد الميداني في تأجيل الجلسات الفنية الطارئة بسويسرا، كاشفاً عن ترابط عضوي وثيق بين دبلماسية “الـ 60 يوماً” الدولية ومستقبل السلاح والسيادة في الجنوب اللبناني.

وفي ظل هذا المشهد الشديد التعقيد، يتضح أن محاولات الاستفراد بالحلول التقنية أو القفز فوق الواقع الميداني في لبنان لن تقود إلا إلى تسويات تولد ميتة؛ إذ تصر طهران على توظيف أوراق القوة جنوباً لانتزاع مكاسب تخص البنك المركزي والنفط، بينما تخوض الحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس جوزيف عون معركة سيادية شرسة في أروقة واشنطن لانتزاع قرار دولي بـ “الانسحاب الإسرائيلي الشامل وتثبيت الهدنة الدائمة”. ومن هنا، تبرز الحاجة الأميركية والدولية الملحة إلى مغادرة مربع التكتيكات الظرفية، والذهاب نحو تفعيل مقترح الثالث من حزيران المبتكر عبر تسييل ميكانيزمات “المناطق التجريبية”؛ كمدخل وحيد لتمكين الجيش اللبناني، وضمان العودة الآمنة لمئات الآلاف من النازحين، وإلزام تل أبيب بوقف نيرانها الهجومية، تفادياً لانفجار إقليمي شامل قد يطيح بفرص السلام في المنطقة برمتها.

وفيما يلي النص الكامل والتعليق التحليلي المترجم، والذي يضع الأصبع على مكامن الخلل في الاتفاقيات السابقة، ويرسم السيناريوهات المتوقعة للمنطقة في حال غياب الضغط الأميركي الحازم لإلزام إسرائيل بالانسحاب الشامل خلف الحدود الدولية.

تتواصل المواجهة بين إسرائيل وحزب الله رغم الاتفاق الناشئ بين الولايات المتحدة وإيران، بل قد تهدّد هذا الاتفاق نفسه. وينبغي على واشنطن أن تضغط في اتجاه وقفٍ فوري وكامل لإطلاق النار في لبنان يتيح التنفيذ السريع للبنود الأساسية في الترتيب المتفاوَض عليه بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية.

تهدّد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان بتقويض مذكرة التفاهم المبرمة حديثاً بين الولايات المتحدة وإيران، تماماً كما هدّد ذلك القتال بنسفها قبل التوصّل إليها أصلاً. ففي 19 حزيران/يونيو، جرى فجأةً تأجيل محادثات رفيعة المستوى في سويسرا كانت تهدف إلى بلورة بروتوكولات تنفيذ الاتفاق، وذلك — بحسب ما أُفيد — على خلفية تبادلٍ جديد لإطلاق النار في لبنان في الليلة السابقة. وقد عقّدت الاشتباكات في لبنان محاولات إنهاء النزاع الأميركي–الإيراني على مدى أسابيع، رغم الإعلان في 3 حزيران/يونيو عن وقفٍ آخر لإطلاق النار بين إسرائيل ولبنان برعاية أميركية. واشتدّ القتال في الأيام التالية؛ ففي 7 حزيران/يونيو، ورداً على إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل حمّلت إسرائيل حزب الله مسؤوليته، قصفت إسرائيل مبنىً سكنياً في الضاحية الجنوبية لبيروت زعمت أنه موقع قيادي للجماعة اللبنانية المسلّحة. ومن ثَمّ، وتنفيذاً لتحذيرها السابق بأنّ أيّ هجوم على العاصمة اللبنانية سيستدرّ ناراً إيرانية مباشرة على إسرائيل، أطلقت الجمهورية الإسلامية عدّة رشقات من الصواريخ الباليستية باتجاه الأراضي الإسرائيلية. وردّت إسرائيل بضرب مواقع مختلفة في إيران في اليوم التالي، ما استدعى هجوماً صاروخياً آخر من طهران.

ومع أنّ هذه الجولة من الردّ بالمثل انتهت بعد أن حثّت الولايات المتحدة الطرفين على التوقّف، ظلّت الهدنة الإيرانية–الإسرائيلية هشّة. فقد هدّدت إيران بالردّ على أيّ هجمات إسرائيلية جديدة على لبنان، وواصلت إسرائيل قصف لبنان، حتى مع اقتراب واشنطن وطهران من التوصّل إلى اتفاق. وفي 14 حزيران/يونيو، وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب توبيخاً شديداً لإسرائيل لقصفها الضاحية الجنوبية لبيروت مجدداً، تماماً فيما كانت واشنطن وطهران على وشك إبرام اتفاقهما. ومرّةً أخرى، تطلّب الأمر تدخّل ترامب لإقناع إيران بعدم الردّ، ربما عبر تعديل بعض بنود المذكرة لمصلحة طهران.

ووفقاً للنسخة التي شاركتها الولايات المتحدة، فإنّ مذكرة التفاهم الموقّعة في 14–15 حزيران/يونيو “تُعلن الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما في ذلك في لبنان” و”تضمن وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها”. غير أنّ تفسيرات هذه البنود تتباين تبايناً حاداً. فقد سارع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى التأكيد أنّ بلاده لن تنسحب من المناطق التي تحتلّها في جنوب لبنان؛ في حين أشار كلٌّ من إيران وحزب الله إلى أنّ استمرار الاحتلال يُشكّل خرقاً للاتفاق. كما جدّد حزب الله تحذيره من أنّ إسرائيل إن استأنفت هجماتها على الأراضي اللبنانية، فلن تمرّ تلك العمليات من دون ردّ. وفي 18 حزيران/يونيو، أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التأكيد على أنّ إسرائيل ستحتفظ بما تصفه بـ”الشريط الأمني” في جنوب لبنان. أمّا نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، فدعا إسرائيل إلى “احترام عملية السلام”، وأعلن الرئيس ترامب أنّ الولايات المتحدة “تتوقّع وقفاً كاملاً لإطلاق النار على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان وحزب الله وإسرائيل”. ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة تعتزم ممارسة الضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان.

“يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة تعتزم ممارسة الضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان.”

وكل ذلك يوفّر سبباً إضافياً لإنقاذ مقترح 3 حزيران/يونيو بوصفه مخرجاً معقولاً من النزاع اللبناني، وإن كان يحتاج إلى تعديلٍ جدّي. فالاتفاق يتضمّن عناصر أكثر ابتكاراً وواقعية ممّا طُرح في الماضي؛ إذ يقترح على وجه الخصوص انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من جنوب لبنان، مع انتشار القوات المسلّحة اللبنانية مكان الجنود الإسرائيليين. لكنّ الواقعية تتوقّف عند هذه النقطة. فللأسف، يستحضر كثيرٌ من بقية البنود مقترحات السلام القديمة الفاشلة، ولا سيّما الشرط القاضي بأنّ إسرائيل لن توقف هجماتها إلا إذا أوقف حزب الله نيرانه بالكامل وانسحب كلياً من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني — وهو شرط رفضه الحزب على الفور. وإزاء رفض حزب الله الانسحاب طالما تواصل إسرائيل هجماتها، امتنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن إحالة مقترح 3 حزيران/يونيو إلى المجلس الوزاري الأمني المصغّر للمصادقة عليه.

ولدفع المقترح قُدُماً، سيتعيّن على الولايات المتحدة، انسجاماً مع مذكرة التفاهم، أن تفرض وقفاً نهائياً للعمليات العسكرية الهجومية الإسرائيلية في لبنان، وهي خطوة ينبغي لحزب الله أن يبادلها بالمثل، حتى في غياب انسحاب إسرائيلي فوري. وعندئذٍ، فإنّ التنفيذ السريع اللاحق للـ”مناطق التجريبية” المقترحة — وهي مناطق تسلّمها القوات الإسرائيلية للجيش اللبناني — من شأنه أن يزيل مبرّراً آخر لقيام حزب الله بهجمات؛ وأن يعزّز شرعية الدولة اللبنانية؛ وأن يبدأ مسار الانسحاب الإسرائيلي التدريجي إلى الحدود الدولية.

لقد قاومت إسرائيل بشدّة الدعوات إلى إنهاء عملياتها، التي تتعارض مع عقيدتها الأمنية الجوهرية منذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والقائلة بأنّ جيشها يجب أن يُبقي مسافةً مادية بين حدود إسرائيل وأيّ تهديد، حقيقياً كان أم متصوَّراً. ومع ذلك، فإنّ قبول هذه الشروط سيكون أكثر فاعلية بكثير — وبالطبع أقل كلفةً بكثير على الشعب اللبناني — من حملة عسكرية إسرائيلية مطوّلة يُستبعد إلى حدّ بعيد أن تحقّق هدف تفكيك حزب الله، ومعه الأمان الدائم لسكان شمال إسرائيل. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنّ وقفاً لإطلاق النار على هذا المنوال ستكون له فائدة إضافية تتمثّل في الحؤول دون أن يُشعل النزاع في لبنان اشتباكاتٍ جديدة في أنحاء المنطقة ويُعرّض الدبلوماسية مع إيران للخطر.

ويمكن لهدنة حقيقية أن تساعد أيضاً في تعزيز مصداقية الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي كان قد رفض أيّ ربطٍ بين مصير بلاده والمفاوضات الأميركية–الإيرانية، ليجد نفسه مضطراً إلى الترحيب باتفاق يُكرّس هذا الربط. وعون، الذي وصف اتفاق وقف إطلاق النار في 3 حزيران/يونيو بأنه “الفرصة الأخيرة” لإنهاء الحرب، بحاجة إلى إثبات أنّ هذا الاتفاق يمكن أن ينجح، كي يُبرهن أنّ لبنان قادر على حماية نفسه بالوسائل الدبلوماسية، خلافاً لنهج حزب الله القائم على المقاومة المسلّحة المدعومة من إيران.

بالجديد؟

يعكس أحدث مقترحٍ لوقف إطلاق النار في لبنان قدراً من التفكير المبتكر والبراغماتي، يمكن أن يساعد في تقليص حدّة النزاع إذا ما طُبّق بحكمة. فقد كرّر البيان الثلاثي اللبناني–الإسرائيلي–الأميركي موقف إسرائيل الراسخ بأنّ أمنها ووحدة أراضيها “لا يمكن تحقيقهما إلا عبر نزع سلاح حزب الله”. لكن، خلافاً للترتيبات السابقة، يرسم هذا المقترح أيضاً خطواتٍ أقرب منالاً نحو التحقيق التدريجي لهذا الهدف. فهو يتصوّر قيام إسرائيل ولبنان، بتوجيه أميركي، بإنشاء “مناطق تجريبية” يبسط فيها الجيش اللبناني سيطرته، مع إقصاء حزب الله وكلّ الجهات المسلّحة الأخرى من غير الدول. ولا يحدّد الاتفاق ما إذا كان على الجيش الإسرائيلي أن ينسحب من هذه المناطق، وإن كان من الصعب تصوّر عودة الهدوء من دون ذلك. ويصف المقترح هذه الخطوات بأنها ضرورية لضمان التقدّم نحو “اتفاق شامل للسلام والأمن” بين البلدين. والأهمّ أنّ انسحاباً إسرائيلياً متدرّجاً ينبغي أيضاً أن يبدأ بتخفيف أزمة النزوح الجماعي في لبنان، التي تسبّب بها الاجتياح البري الإسرائيلي الواسع والقصف الجوي اللذان دفعا مئات الآلاف إلى مغادرة منازلهم. وغالبية النازحين من الشيعة، وكثيرون منهم لا يملكون بدائل سكنية آمنة، ناهيك عن أفقٍ واقعي للعودة إلى ديارهم.

والجانب الأكثر استحساناً في هذا النهج هو إقراره الضمني بأنّ مطالبة الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية — وهو مطلب رفعه مسؤولون إسرائيليون وأميركيون، بل وحتى بعض الناقدين اللبنانيين لحزب الله، بين الحين والآخر — أمرٌ غير واقعي، على الأقل في المدى القريب. بل إنّ مسعىً كهذا لن يكون فاشلاً وحسب، وإنما بالغ الخطورة أيضاً، كما شدّد قادة لبنان أنفسهم مراراً. فهم يخشون أن يُفجّر ذلك نزاعاً داخلياً دامياً، وربما يتسبّب حتى بانقسام الجيش على أسس طائفية، مع فرار كثير من الجنود الشيعة أو انشقاقهم للقتال إلى جانب حزب الله. وفي المقابل، يقضي المقترح الحالي بأن يستعيد الجيش اللبناني الأراضي التي ينسحب منها حزب الله، ما يتيح له التركيز على بسط سلطة الدولة المركزية على الأراضي اللبنانية السيادية، مُعزّزاً موقعه من دون استدراج مواجهة لبنانية–لبنانية مباشرة.

“تشير الأدلّة إلى أنّ مواصلة الحملة العسكرية، بل وتكثيفها كما حذّرت إسرائيل بأنها قد تفعل، من غير المرجّح أن تُحدِث انهيار [حزب الله].”

وستستفيد إسرائيل، هي الأخرى، من تقليص وجودها العسكري في لبنان. فمنذ 2 آذار/مارس، نفّذت عملياتٍ مدمّرة تهدف إلى تقويض قدرات حزب الله، عبر القصف الجوي المكثّف وتدمير المنازل والاستيلاء على مساحاتٍ من الأراضي اللبنانية أساساً، بهدف معلن هو تشكيل “منطقة أمنية”. وفي هذه العملية، قتلت إسرائيل كثيراً من عناصر حزب الله ودمّرت كثيراً من أصوله العسكرية. لكن، حتى مع تنحية الحصيلة الصادمة من القتلى والجرحى والنازحين التي ألحقتها الهجمات بالمدنيين اللبنانيين، أخفقت هذه الإجراءات العدوانية في بلوغ أهدافها المزعومة. فبدلاً من إخضاع حزب الله، دفعته إلى تصعيد استخدامه للطائرات المسيّرة من نوع “المنظور الأول” المُوجّهة بالألياف الضوئية، ما أدّى إلى تزايد الإصابات في صفوف القوات الإسرائيلية. وبموازاة ذلك، واصل حزب الله إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل، مُعطّلاً الحياة المدنية هناك. وتشير الأدلّة إلى أنّ مواصلة الحملة العسكرية، بل وتكثيفها كما حذّرت إسرائيل بأنها قد تفعل، من غير المرجّح أن تُحدِث انهيار الجماعة اللبنانية. بل إنها تنطوي على خطر تصاعد الهجمات العابرة للحدود من الجانبين وإذكاء مزيد من النزاع مع إيران، التي هدّدت بالردّ على الضربات التي تطال لبنان.

وتشير التطوّرات المبكرة على الأرض إلى فوائد هذه “المناطق التجريبية”. ففي 4 حزيران/يونيو، سحبت إسرائيل قواتها من بلدة دبّين الجنوبية، ما أتاح للجيش اللبناني وقوات حفظ السلام الأممية إعادة فتح وصلة طرقٍ حيوية بين الجنوب وسهل البقاع، فضلاً عن وصلاتٍ إلى قرى مجاورة لا يزال الناس يقطنونها. ومع أنّ هذا الانسحاب لم يكن — بحسب ما أُفيد — ذا صلة باتفاق 3 حزيران/يونيو أو بمخطط “المنطقة التجريبية”، إلا أنه قد يصلح مع ذلك دليلاً أولياً على جدوى الفكرة. وإذا اتّسعت هذه العملية بحيث يتمكّن بعض النازحين اللبنانيين من الجنوب من العودة بأمان إلى المناطق التجريبية، فسيكون بمقدور القادة السياسيين في البلاد أن يدّعوا، عن حق، أنّ الدبلوماسية التي تقودها الدولة قد نجحت حيث أخفقت المقاومة المسلّحة.

ومع ذلك، فمن الواضح أنّ الأطراف لا يزالون بحاجة إلى الاتفاق على عددٍ من التفاصيل الحاسمة كي تنجح المناطق التجريبية. فقد رفض نبيه برّي، رئيس مجلس النواب اللبناني والوسيط الرئيسي بين حزب الله والقوى الخارجية، المبادرة على أساس أنها لا تفرض على إسرائيل التزاماً صارماً بوقف نيرانها في لبنان. وأبلغ السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى الصحافيين لاحقاً أنه التقى برّي لإزالة بعض الغموض في البيان الثلاثي، وتحديداً أنّ بإمكان النازحين العودة إلى المناطق التجريبية، وأنّ إسرائيل ستوقف ضرباتها هناك، وأنّ بإمكان إعادة الإعمار أن تبدأ. ومن المفهوم أن يسعى لبنان إلى ضمانات بألّا تعامل إسرائيل المناطق التجريبية بوصفها مناطق مُفرَّغة من السكان لا حقّ لقاطنيها في العودة إليها. ورغم تدخّل عيسى، عاد برّي في 16 حزيران/يونيو ورفض مجدداً نهج المناطق التجريبية، مُعرباً عن قلقه من أن يفضي إلى احتلال إسرائيلي مطوّل بدل الانسحاب.

وبالقديم؟

بصرف النظر عن مفهوم المناطق التجريبية، يحمل ما تبقّى من المقترح العيوب نفسها التي شابت اتفاقات الهدنة السابقة. فالأبرز أنّ البيان الثلاثي يطالب حزب الله بأن يوقف عملياته العسكرية بالكامل وأن يُخلي جميع مقاتليه من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، من دون أن يفرض أيّ شرطٍ مماثل أو فوري على إسرائيل. وفي الواقع، فما إن نُشر المقترح حتى أعلن وزير الدفاع كاتس أنّ بنوده تمنح بلاده “حرية عمل” متواصلة لضرب ما تزعمه أصولاً لحزب الله بدعوى الدفاع عن النفس، أينما وحيثما رأت ذلك مناسباً. وقد تمسّكت إسرائيل بهذا الموقف منذ اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، الذي أنهى ظاهرياً الحرب الإسرائيلية–اللبنانية السابقة مع حزب الله. غير أنّ الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على مدى الأشهر الخمسة عشر التالية قتلت نحو 400 لبناني وجرحت أكثر من ألف. وخلال هذه الفترة، لم يردّ حزب الله على الغارات الجوية الإسرائيلية شبه اليومية على أهدافٍ في لبنان، ولا على احتلال إسرائيل عدّة مناطق في جنوب البلاد. وانتهت سياسة ضبط النفس هذه في 2 آذار/مارس، عقب اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران ومقتل آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، في 28 شباط/فبراير.

وبالنظر إلى هذا التاريخ القريب، كان من السهل توقّع أن ترفض الجماعة اللبنانية مقترح 3 حزيران/يونيو. ففي 4 حزيران/يونيو، وصف أمينها العام نعيم قاسم علناً تلك المقترحات بأنها “عقيمة ومذلّة”، مضيفاً أنّ “وقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملاً… من دون أن يتمتّع العدو الإسرائيلي بحرية القتل”. وتقول مصادر داخل الحزب ومقرّبة منه إنها مقتنعة بأنه ما إن تُزال التهديدات التي يشكّلها على القوات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، حتى تتجاهل إسرائيل التزاماتها، أو حتى تتذرّع بزعم عدم امتثال حزب الله والجيش اللبناني لتحقيق مزيد من التوغّل في الأراضي اللبنانية. كما أبدت ثقةً عالية بقدرتها على إلحاق ضررٍ كافٍ بالخصم بحيث يصبح الاحتلال غير قابل للاستدامة، ورأت أنّ الردّ الإيراني المباشر سيردع إسرائيل عن تصعيدٍ واسع. وبالنسبة إلى الحزب، كانت المحادثات الإسرائيلية–اللبنانية مجرّد استعراض جانبي، بصرف النظر عن التصريحات المتفائلة الصادرة عن الحكومة اللبنانية. ففي نظره، كانت رغبة ترامب في الخروج من النزاع مع إيران هي ما حرّك فعلاً انخراط واشنطن في الشأن اللبناني.

“عارضت كلٌّ من الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية أيّ اتفاق أميركي–إيراني يتضمّن وقفاً لإطلاق النار في لبنان.”

وقد تناقض هذا الموقف تناقضاً حاداً مع رؤى الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية، اللتين عارضتا أيّ اتفاق أميركي–إيراني يتضمّن وقفاً لإطلاق النار في لبنان. فالأولى كانت مصمّمة على حرمان إيران من أيّ نفوذ على المنطقة، فيما رفضت الثانية فكرة أن تساوم إيران نيابةً عن لبنان. وفي الواقع، فإنّ البيان الثلاثي — الذي تضمّن إدانةً من جميع الأطراف لـ”أنشطة طهران المتواصلة التي تقوّض الاستقرار في أنحاء الشرق الأوسط” — سعى صراحةً إلى استبعاد أيّ دور لإيران. وفي 5 حزيران/يونيو، اتهم الرئيس عون إيران باستخدام لبنان “ورقة مساومة”، مشدّداً على أنّ حكومته لا تزال ملتزمة بالتفاوض المستقل مع إسرائيل لإنهاء الحرب.

ومن هذه الزاوية، يصعب النظر إلى سلسلة الأحداث الأخيرة — تدخّلات ترامب المتكرّرة أولاً لوقف الهجمات الإسرائيلية، ثم إدراج لبنان في مذكرة التفاهم، والآن تعليق المحادثات الأميركية–الإيرانية بشأن التنفيذ — إلا بوصفها تأكيداً لصحة موقف حزب الله. ومن الدلالات أنّ الحزب، في 15 حزيران/يونيو، أشاد بـ”إصرار إيران على إدراج لبنان في أيّ اتفاق يفضي إلى وقف الحرب”. وإذا أرادت الولايات المتحدة منح الدولة اللبنانية فرصةً لفرض نفسها في وجه كلٍّ من إيران وحزب الله، فسيتعيّن عليها أن تدفع قُدُماً مساراً سريعاً وواقعياً نحو وقفٍ دائم لإطلاق النار وانسحابٍ إسرائيلي يمكن للحكومة اللبنانية أن تنسبه إلى نفسها. ويبدو أنّ تنفيذ مسار وقف إطلاق النار في 3 حزيران/يونيو هو الطريق الأكثر معقوليةً لبلوغ تلك الغاية.

مسألة القيادة الأميركية

إذا تُركت إسرائيل وحزب الله لشأنهما، فمن شبه المؤكّد أنهما سيواصلان مواجهة الردّ بالمثل. فالأولى تتذرّع بالتهديد المستمرّ الذي يشكّله الثاني لتبرير استمرار الاحتلال والهجمات على ما تزعمه أصولاً لحزب الله، ما يمنح حزب الله بدوره مبرّر استمرار المقاومة. ففي الأيام الأربعة الأولى التالية للإعلان عن الاتفاق الأميركي–الإيراني، قتلت الهجمات الإسرائيلية أكثر من 150 شخصاً وجرحت المئات في لبنان. وفي 19 حزيران/يونيو، قتل مقاتلو حزب الله أربعة جنود إسرائيليين على الأراضي اللبنانية، ما دفع الوزير الإسرائيلي اليميني المتطرّف إيتمار بن غفير إلى المطالبة بأن “يحترق لبنان كله”. وسيتطلّب وقف هذه الحلقة المفرغة واستباق مزيد من التصعيد انخراطاً أميركياً أكثر حزماً واتّساقاً.

ولهذه الغاية، ينبغي على واشنطن أولاً أن تكفل أن يطالب مقترح وقف إطلاق النار — تمييزاً له عن سابقاته وانسجاماً مع مذكرة التفاهم — كلاً من حزب الله وإسرائيل بتعليق عملياتهما العسكرية، بحيث ترسخ هدنة حقيقية متبادلة المراعاة. وقد أشار حزب الله إلى أنه، وإن كان لن يقبل ترتيباً أحادي الجانب آخر، فإنه سيكون مستعداً لوقف نيرانه بالكامل إذا فعلت إسرائيل الأمر نفسه وانطلقت عملية ذات مصداقية نحو الانسحاب. ولضمان الامتثال اليومي للهدنة، يمكن للولايات المتحدة أن تستند إلى دعم الآلية التي أُنشئت لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والتي ترأسها واشنطن أصلاً. وقد عجزت هذه الهيئة حتى الآن عن كبح المتحاربين. غير أنّ فرنسا والأمم المتحدة، وهما طرفان في الآلية أصلاً، أعربتا عن استعدادهما لمساعدة الأطراف على ضمان أن يرسخ وقف إطلاق النار أخيراً.

ومن حيث المبدأ، يطالب حزب الله أيضاً بجدولٍ زمني محدّد لانسحاب إسرائيلي سريع وكامل إلى الحدود الدولية — وهو سيناريو مرغوب، لكنه غير محتمل في الوقت الراهن. ومع ذلك، يجدر اختبار كيف سيتصرّف الحزب اللبناني لو أوقفت إسرائيل هجماتها وأُنشئت المناطق التجريبية، حتى في غياب جدولٍ زمني ثابت للانسحاب. فهل سيرغب في عرقلة عمليةٍ تتيح للجيش اللبناني استعادة أراضٍ في جنوب لبنان، خصوصاً إذا كانت تتيح أيضاً أفق عودة مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين، ومعظمهم من الطائفة الشيعية نفسها التي ينتمي إليها الحزب؟ ولكي يتحقّق هذا الاختبار، سيظلّ على الأطراف أن يحسموا تفاصيل الاتفاق المتعلّقة بالمناطق التجريبية، بما في ذلك حقّ النازحين في العودة والبدء بإعادة الإعمار. ففي ظلّ وقف إطلاق النار السابق، ضربت إسرائيل مراراً معدّات البناء كالجرّافات في جنوب لبنان، بزعم أنّ حزب الله قد استخدم أو سيستخدم هذه الآليات لأغراض عسكرية.

“إنّ تشجيع كلٍّ من إسرائيل ولبنان على التنفيذ السريع للمناطق التجريبية المقترحة… قد يكون حاسماً لإطالة أمد أيّ توقّف حقيقي للأعمال العدائية.”

إنّ تشجيع كلٍّ من إسرائيل ولبنان على التنفيذ السريع للمناطق التجريبية المقترحة، وفق هذه الشروط الواضحة والمتفق عليها، قد يكون حاسماً لإطالة أمد أيّ توقّف حقيقي للأعمال العدائية. وينبغي على واشنطن أن تصرّ على أن يتفق البلدان، في اجتماعاتهما الثنائية المقبلة المقرّرة في الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران/يونيو، على خطّة بشأن المنطقة التجريبية الأولى. كما ينبغي على الولايات المتحدة وغيرها أن تسعى إلى وضع إجراءات تحقّق موثوقة ومتينة لإثبات خلوّ هذه المناطق من مقاتلي حزب الله المسلّحين واستمرار خلوّها منهم مع تقدّم العملية. ففي الماضي، كثيراً ما أعربت إسرائيل والولايات المتحدة عن انعدام ثقتهما بالمراقبة التي يقوم بها كلٌّ من الجيش اللبناني واليونيفيل، قوة حفظ السلام الدولية المنتشرة في جنوب لبنان منذ 1978. لكن، مع توافر إرادة سياسية كافية لدى جميع الأطراف، ومع حكومة لبنانية تتوق إلى فرض سلطتها، فإنّ دفع هاتين الهيئتين إلى مراقبة مناطق صغيرة ينبغي أن يكون أكثر جدوى بكثير.

وسيكون مفتاح النجاح تحقيق نتائج ملموسة ومبكرة: وقفٌ ذو مغزى لإطلاق النار على جانبي الحدود، وتسليم المناطق التجريبية إلى الجيش اللبناني، وعودة النازحين (ولو بأعدادٍ صغيرة في البداية)، ودعم التعافي الاقتصادي في تلك المناطق. وإذا تحقّقت هذه الأمور، فقد يبدأ المدنيون في البلدين باستعادة قدرٍ من الحياة الطبيعية؛ وستتعزّز الدولة اللبنانية؛ وسيجد حزب الله صعوبةً أكبر بكثير في تبرير تعطيل العملية، فضلاً عن أنّ ذلك سيكون أبهظ كلفةً من الناحية السياسية إن اختار سلوكه.

ومن شأن تنفيذ إعلان 3 حزيران/يونيو أن يساعد في بدء رسم مسارٍ جديد بين لبنان وإسرائيل، وأن يتيح للاتفاق الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران أن يرسخ. لكن، من دون انخراط أميركي مباشر وحازم، فمن المرجّح أن يلقى مقترح الهدنة في لبنان المصير نفسه الذي لقيه كثيرٌ من سابقاته، ما يزيد خطر أن تعاود إسرائيل وحزب الله تصعيد نزاعهما مرّةً أخرى. وستأتي عودة القتال بكلفةٍ أكبر على المدنيين، وستزيد تعقيد المساعي الأميركية لإبرام الاتفاق مع إيران، بل قد تُعيد إشعال الحرب في أنحاء الشرق الأوسط.

السابق
الجيش اللبناني يطهر قرى الجنوب من القنابل الإسرائيلية غير المنفجرة ويحذر الأهالي من التسرع في العودة