في وقت تشهد فيه الجبهة الميدانية تصعيداً عسكرياً متواصلاً، تتجه الأنظار نحو العاصمة الأميركية واشنطن التي تستعد لاستضافة جولة جديدة من المفاوضات الدبلوماسية والعسكرية المشتركة في وزارة الخارجية الأميركية بدءاً من ٢٢ حزيران الحالي.
هذا الدمج بين الشقين السياسي والعسكري يضفي انشداداً كبيراً على المخرجات المرتقبة، وسط تباين حاد في الرؤى الداخلية اللبنانية بين إصرار رسمي على استعادة السيادة وتثبيت حقوق الدولة، وبين تعنت مستمر لأطراف تسعى لربط المسار المحلي بأجندات إقليمية.
بعبدا تقوّم جولتي مايو وحزيران وتضع التوجيهات
في إطار التحضيرات الرسمية، ترأس رئيس الجمهورية العماد جوزف عون اجتماعاً تقييمياً موسعاً في قصر بعبدا، حضره رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير سيمون كرم، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل (العائد من محادثات مثمرة في إسلام آباد مع قائد الجيش الباكستاني)، إلى جانب الضباط أعضاء الفريق العسكري المفاوض.
وجرى خلال اللقاء تقويم واستعراض شامل لمداولات ومراجعة نتائج الاجتماعين التفاوضيين السابقين اللذين عُقدا في واشنطن بتاريخ ٢٩ أيار الماضي و٢ و٣ حزيران الجاري مع الجانبين الأميركي والإسرائيلي في مقرَي “البنتاغون” ووزارة الخارجية الأميركية، والاطلاع على تفاصيل النقاشات التي دارت مع المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين بشأن الملفات المطروحة على جدول الأعمال.
وبحسب مصادر رسمية لصحيفة “اللواء”، زوّد الرئيس عون السفير كرم والوفد العسكري بالتوجيهات الحازمة للمرحلة المقبلة، مشدداً على النقاط التالية:
- الجهوزية التامة والاستمرارية: أكد الرئيس أن لبنان لن ينسحب من المفاوضات أبداً، وإذا طلبت إسرائيل أو أميركا تأجيلها أو تجميدها فليتحملا وحدهما المسؤولية (وهو ما أكده عون أيضاً في حديثه لوكالة رويترز).
- ملف الانتهاكات وثائق إدانة: سيحمل الوفد اللبناني معه إلى واشنطن جردة توثيقية ضخمة بكل نتائج العدوان الإسرائيلي وارتكاباته، بما يخص حجم تدمير وجرف القرى وعددها، وأعداد الشهداء والجرحى، وحجم الدمار الذي لحق بالبنى التحتية والمؤسسات الرسمية والأهلية، لوضع الجانبين الأميركي والإسرائيلي أمام مسؤولياتهما.
- أولوية وقف النار: سيركز الوفد بشكل مطلق على أولوية وضع آلية ثابتة لتنفيذ وقف إطلاق النار الشامل كشرط مسبق قبل البحث في أي بند آخر.
تفكك خلفيات التفاوض والألغام الأربعة
ونقلت صحيفة “النهار” عن مصدر دبلوماسي واسع الاطلاع على مجريات المفاوضات، كواليس تعكس حقيقة استقلالية المفاوض اللبناني؛ حيث كشف المصدر أن مبادرة الرئيس عون بالإشادة بالوفد سابقاً جاءت بعد أن أقدم السفير سيمون كرم على “توقيف المفاوضات” شخصياً ولم يقبل استئنافها إلا بعد حصول الوفد على الحد الأدنى من المطالب اللبنانية ضمن الظروف الصعبة، ومواجهة خلل مخيف في موازين القوى يصب ميدانياً لصالح إسرائيل.
وأكد المصدر لـ”النهار” أن موازين القوى على الأرض هي التي قادت إلى “إعلان واشنطن”، جازماً بأنه “لا توجد أي جهة قادرة على تقديم مكاسب تتجاوز ما تم تحقيقه في العاصمة الأميركية”.
وفكّك المصدر الدبلوماسي أربعة تعقيدات وألغام تواجه الوفد اللبناني:
- تقاسم نفوذ إقليمي: اتّضاح تأييد إسرائيل وإيران معاً لمحاولات إعادة تقاسم النفوذ في لبنان وربط المسارين اللبناني والإيراني على حساب مصلحة لبنان العليا.
- سيناريو الوصاية والنكبة: إن النهج الإسرائيلي المتبع في الجنوب ومعادلة “الضاحية مقابل شمال إسرائيل” لحماية أمن تل أبيب، يهددان بنكبة في جبل عامل، وإنتاج “وصاية إيرانية جديدة” على لبنان بموافقة إسرائيلية تحاكي وصاية حافظ الأسد السابقة، لافتاً إلى أن الجانبين الإسرائيلي والإيراني لا يمانعان باندلاع حرب أهلية جديدة لإبقاء لبنان ساحة مفتوحة لتقاسم النفوذ.
- محاولات صبيانية داخلية: انخراط أفرقاء محليين (كانوا أركاناً رئيسيين إبان الوصاية السورية القديمة) في محاولات وصفها بـ”الصبيانية” لتقويض مسار واشنطن لمصلحة “وهم مسار إيران”.
- تعطيل وقف النار والمنطقة التجريبية: نجاح هؤلاء المتورطين حتى الآن في إفشال محاولتين أساسيتين لتنفيذ وقف النار الشامل الموجود على الطاولة منذ جولة ١٥ أيار، وسعيهم الحالي لإفشال الاتفاق على تنفيذ “منطقة تجريبية أساسية” حول قلعة الشقيف كانت ستمنع سقوط النبطية وإلحاقها ببنت جبيل والبلدات المحتلة. وأكد المصدر أن محاولة ثالثة ستجري لإنجاز هذه التجربة، وبناءً على سلوك هؤلاء “المعطلين والمشوّشين” سيبنى على الشيء مقتضاه.
موقف الرئيس عون وحقيقة “إعلان واشنطن”
وفي سياق توضيح الموقف اللبناني الرسمي، حدد الرئيس عون النقاط القانونية والسيادية في حديثه لوكالة رويترز، موضحاً الآتي:
- تفنيد المزاعم الإسرائيلية: أكد عون أن “إعلان واشنطن” لم يتضمن منح أي “حرية حركة” عسكرية لإسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، بل تضمن حصراً حق الطرفين المتساوي في الدفاع عن النفس.
- مصادر القوة والسيادة: أشار إلى أن أوراق القوة التي يفاوض بها تستند إلى موقعه الدستوري والموقف الأميركي الداعم.
- رفض الإملاءات الإيرانية وتفنيد موقف الحزب: قال عون بحسم: “لا نقبل أن تملي علينا إيران ما يجب فعله، نحن دولة ذات سيادة ولا يحق لها التحدث باسمنا”، محذراً من أنه “إذا اختار حزب الله البقاء في حالة حرب، فإنه سيضرّ بالمجتمع الذي يدّعي الدفاع عنه”.
مبادرة برّي والاتصالات السياسية الكواليسية
على خط المبادرات الموازية، كشفت التقارير عن اتصالات نشطة جرت قبل عشرة أيام من موعد جولة ٢٢ حزيران، تمثلت في لقاء عُقد يوم الأربعاء الماضي جمع المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب علي حسن خليل ومستشار رئيس الجمهورية العميد أندريه رحال. وتناول الاجتماع بحث بنود وتفاصيل “إعلان واشنطن”، والتنسيق حول مسودة “مبادرة الرئيس نبيه برّي” لتقديمها على طاولة المفاوضات في الموعد المقترح. وتطرح المبادرة صيغة تقضي بـ “انسحاب إسرائيل إلى ما وراء الخط الأصفر كبادرة حسن نية”، ويجري التنسيق حالياً مع حزب الله حول هذه المبادرة.
مأزق حزب الله الثلاثي والامتعاض الرسمي
من جهتها، كشفت مصادر متابعة لصحيفة “نداء الوطن” أن “حزب الله” يعيش أزمة حقيقية ومأزقاً عميقاً ثلاثي الأضلاع ازداد سوءاً بعد الوقائع الميدانية الأخيرة، وتتمثل أضلاع هذا المأزق في:
- الفشل في الضغط على بعبدا: لم تنفع كل حملات الترهيب أو الترغيب في التأثير على مواقف رئيس الجمهورية جوزف عون المصرّ على مواصلة المفاوضات وبسط سلطة الدولة الحصرية.
- العجز داخل الحكومة: وجد الحزب نفسه غير قادر على فرض أجندته العسكرية والسياسية على الحكومة اللبنانية.
- التوجس من عين التينة: يعيش الحزب حالة تخوف وعدم طمأنينة تجاه مواقف الرئيس نبيه بري الحقيقية، رغم مسايرته العلنية للحزب.
وألمحت المصادر إلى وجود امتعاض رسمي عارم من مواقف حزب الله الذي يواصل ما وصفته بـ”التعنت الانتحاري” عبر رفض كل المبادرات المقدمة إليه من خلال الرئيس بري وإصراره على ربط لبنان بإيران.
وأكدت المصادر عدم تسجيل أي خرق أو تواصل على خط بعبدا-الضاحية، في حين تقتصر العلاقة مع رئيس الحكومة نواف سلام على الملفات الإجرائية داخل مجلس الوزراء. وحذرت المصادر من أن تصعيد الحزب يمنح تل أبيب الذرائع لتوسيع عملياتها واحتلالها، خصوصاً في ظل معلومات دبلوماسية تؤكد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مستمر في تصعيد عملياته العسكرية، مما قد يهدد بـتأخير تحديد الخارجية الأميركية للموعد النهائي أو يتسبب في عدم نجاح الجلسات.

