الأبعاد الخفية لهجمات النظام الإيراني الصاروخية على إسرائيل

ايران

ما وراء الصواريخ: حسابات داخلية ومناورات تفاوضية
في ليلة السابع من يونيو/حزيران 2026، أطلق الحرس الثوري الإيراني نحو 180 صاروخاً باليستياً وأسرع من الصوت باتجاه إسرائيل، بذريعة الرد على ضربات إسرائيلية استهدفت مقرات حزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية. غير أن التحليل الاستراتيجي يكشف أن هذا التصعيد يخدم أهدافاً أبعد بكثير من مجرد “الانتقام”، ويتقاطع مع محورَين حاسمَين: المفاوضات مع واشنطن والأزمة الداخلية المتصاعدة.

أولاً: البُعد التفاوضي — صواريخ على طاولة المفاوضات
تأتي هذه الضربة في لحظة حرجة من المفاوضات الأمريكية-الإيرانية التي تتواصل بوساطة باكستانية منذ أسابيع. ففي 24 مايو، أشارت تقارير إلى اقتراب الطرفين من اتفاق يشمل إنهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتسليم مخزون اليورانيوم المخصب. وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن “المرحلة الأولى” من أي اتفاق ستكون فتح مضيق هرمز بالكامل، تليها مفاوضات جدية حول البرنامج النووي.

لكن طهران تدرك أن القبول بهذه الشروط — تفكيك النووي ووقف دعم الميليشيات — يعني تجريدها من أهم أوراق ضغطها الإقليمية. لذلك جاء الهجوم الصاروخي رسالةً مزدوجة: أولاً، إثبات أن الترسانة الإيرانية لا تزال فاعلة وقادرة على إلحاق الأذى رغم مئة يوم من الحرب والضربات المتبادلة، مما يرفع سقف التفاوض. ثانياً، الضغط على واشنطن لانتزاع تنازلات أكبر في ملفَّي العقوبات والضمانات الأمنية، مع التلويح بأن عدم التوصل إلى اتفاق يعني استمرار الفوضى الإقليمية وتهديد أمن الطاقة العالمي.

ثانياً: البُعد الداخلي — إسكات الشارع بضجيج الصواريخ
الأهم — وما يُغفله كثير من المراقبين — هو التوقيت الداخلي المحسوب لهذا الهجوم. ففي السادس من يونيو، أي قبل الضربة بساعات فقط، اجتاحت موجة احتجاجات طلابية عشرات المدن الإيرانية، من طهران ومشهد وأصفهان إلى شيراز وتبريز وكرمانشاه وكرج ورشت. خرج مئات التلاميذ وعائلاتهم إلى الشوارع احتجاجاً على قرار “التأثير القطعي” للمعدل الدراسي في الكنكور، رافعين شعارات مثل “لا تخافوا.. نحن جميعاً معاً” و”الطالب يموت ولا يقبل الذل”. وفي مشهد، أُغلقت أبواب مبنى التربية والتعليم على الطلاب المحتجين بعد إدخالهم، فيما أُبلغ عن اعتقالات في عدة مدن.

هذه الاحتجاجات ليست حدثاً معزولاً؛ بل تأتي امتداداً لأكبر موجة انتفاضة شعبية منذ ثورة 1979. بدأت في ديسمبر 2025 وامتدت إلى أكثر من 200 مدينة، وواجهها النظام بمجازر أسفرت عن مقتل آلاف المحتجين. ورغم هذا القمع الوحشي، عادت الاحتجاجات للاشتعال في فبراير 2026 مع بدء الفصل الدراسي، ثم تصاعدت مجدداً مع الاحتجاجات الطلابية الأخيرة.

النظام الإيراني يعرف تاريخياً أن “الحرب الخارجية” هي أنجع أداة لتحييد المعارضة الداخلية

النظام الإيراني يعرف تاريخياً أن “الحرب الخارجية” هي أنجع أداة لتحييد المعارضة الداخلية. فحين تسقط الصواريخ ويُعلَن النفير العام، يتحول الخطاب الإعلامي من مطالب الشعب المعيشية والحقوقية إلى “الوحدة الوطنية” في مواجهة “العدو الخارجي”. وهكذا تُدفن احتجاجات التلاميذ والعمال والبازار تحت ركام العناوين العسكرية، ويُعاد توجيه الغضب الشعبي من النظام نحو إسرائيل وأمريكا.

التاريخ يُظهر أن هذه الاستراتيجية — تصدير الأزمات — لها تاريخ صلاحية محدود، والشعب الإيراني أثبت مراراً أنه لن يُسكَت طويلاً

الخلاصة: معادلة البقاء
إن إطلاق 180 صاروخاً على إسرائيل ليس مجرد عمل عسكري أو رد فعل تلقائي؛ إنه مناورة سياسية محسوبة تخدم جبهتين في آنٍ واحد: تعزيز موقف طهران التفاوضي أمام واشنطن التي تضغط لنزع أسلحتها النووية، وتخدير الشارع الإيراني المتمرد الذي بات يهدد أركان النظام من الداخل. والسؤال الحقيقي ليس “إلى أين وصلت الصواريخ؟” بل “إلى متى يستطيع النظام شراء الوقت بالحروب الخارجية قبل أن ينفجر الداخل مجدداً؟” فالتاريخ يُظهر أن هذه الاستراتيجية — تصدير الأزمات — لها تاريخ صلاحية محدود، والشعب الإيراني أثبت مراراً أنه لن يُسكَت طويلاً.

السابق
عون يستقبل الممثل الخاص للرئيس محمود عباس