الاستراتيجية الكبرى الجديدة لإيران: كيف سترسم الجمهورية الإسلامية المعاد تشكيلها الشرق الأوسط

Iran General Photo War

في بداية الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في شباط/فبراير 2026، بدت الجمهورية الإسلامية منهكة وضعيفة. فقد دمّر القصف الواسع النطاق الصناعة والبنية التحتية، وألحق الحصار البحري الأميركي دمارًا باقتصاد كان يعاني أصلًا. وفي مطلع آذار/مارس، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصحافيين على متن طائرة الرئاسة: «لقد دمّرنا إمبراطوريتهم الشريرة كلها». وبعد أسابيع عدة، أعلن «النصر الكامل والتام».

لكن بعد ثلاثة أشهر، تبدو الصورة مختلفة تمامًا. فإيران لا تزال تحتفظ بقدراتها العسكرية والصناعية، وعلى الرغم من دعوة ترامب الإيرانيين إلى إسقاط النظام، لا تلوح في الأفق أي انتفاضة شعبية. أما الهدف الأولي للحرب، أي توجيه ضربة قاتلة إلى الجمهورية الإسلامية، فقد ثبت أنه غير قابل للتحقيق.

وبدل أن تكسر الحرب إيران، فقد حوّلتها، على نحو غير متوقع. فمن أجل البقاء وترسيخ مزايا استراتيجية جديدة، اضطرت الجمهورية الإسلامية إلى التكيّف والابتكار، فغيّرت طريقة خوضها للحرب، وإدارتها للدولة، وتعاملها مع المجتمع. وكان عليها أن تفعل ذلك بسرعة غير مسبوقة. واليوم، تشعر طهران بثقة تجاه ما حققته، وهي مصممة على ترسيخ هذه المكاسب في الداخل والخارج. لقد أفرزت الحرب إيران جديدة، ستعيد تشكيل الشرق الأوسط وتؤثر في مسار الجغرافيا السياسية لسنوات مقبلة.

خلافة هادئة

إدراكًا منها أن النظام الإيراني أُضعف بفعل حرب الأيام الـ12 مع إسرائيل في حزيران/يونيو 2025، وبفعل انتفاضة شعبية في كانون الثاني/يناير 2026، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة غارات جوية على إيران في 28 شباط/فبراير. وكانتا تتوقعان نصرًا سريعًا عبر اغتيالات موجّهة لقيادة إيران. لكن قطع رأس النظام لم يؤدِّ إلى انهياره. بل فتح الباب أمام جيل جديد لتولي السلطة.

ينظر كثير من المراقبين الغربيين إلى القيادة الجديدة التي برزت خلال الحرب، والتي يهيمن عليها الحرس الثوري الإيراني، باعتبارها أكثر تشددًا أيديولوجيًا وأكثر نزوعًا إلى المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن هذا التوصيف ليس دقيقًا تمامًا. فما يميزها حقًا أكثر دقة وأشد أثرًا.

يركّز المراقبون خارج إيران على عدد محدود من كبار القادة، مثل مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد، ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وأحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري. لكن الأهم هو التحول في الصفوف الأدنى منهم: جيل جديد من قادة الحرس الثوري والمسؤولين الأمنيين المدنيين الذين نشأوا بعد ثورة 1979. هؤلاء يشغلون الآن مواقع أساسية في صنع القرار، ونظرتهم القومية إلى إدارة الدولة والأمن تعيد تعريف الجمهورية الإسلامية.

تشكّلت رؤى الجيل المؤسس للثورة، بمن فيهم الزعيمان السابقان روح الله الخميني وعلي خامنئي، عبر معارضتهم الطويلة لحكم محمد رضا شاه بهلوي المدعوم أميركيًا، وعبر سنوات قضوها في سجون الشاه أو في المنفى. أما الذين يمسكون بزمام الأمور اليوم، أي الجيل الثاني من الثوريين الإيرانيين، ومنهم مجتبى خامنئي وقاليباف ووحيدي، فقد كانوا مراهقين وشبابًا خلال الحرب الإيرانية – العراقية. وقد صُقلت رؤيتهم للعالم في خنادق أطول حرب تقليدية في القرن العشرين.

قائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي

أما أفراد الطبقة الإدارية الجديدة في القوات السياسية والمسلحة الإيرانية، أي الجيل الثالث من الثورة، فلا يعرفون إلا إيران ما بعد الثورة. وقد تبنّى أفراد هذه الطبقة الضباطية في القوات المسلحة والحرس الثوري، ومعهم المؤسسات الأمنية المرتبطة بهم، ثقافة منظمة وتكنوقراطية، ورؤية استراتيجية مبنية على الدفاع الوطني لا على الأيديولوجيا الثورية. وهم يحكمون بثقة قادة يعتقدون أنهم نجحوا في الدفاع عن إيران في حربين ضد قوى متفوقة عسكريًا، حرب الأيام الـ12 العام الماضي والنزاع الأكبر بكثير هذا العام، محققين شيئًا لم تكن الثورة قد حققته إلا كوعود: إضعافًا حقيقيًا للقوة الأميركية في الشرق الأوسط.

كان المرشد الأعلى السابق، آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول من حرب شباط/فبراير، نتاج التيارات الفكرية والسياسية لإيران ما قبل الثورة في عهد بهلوي. وقد صُقل تكوينه السياسي عبر النقاش مع قوميين علمانيين ويساريين وليبراليين شاركوه أهداف إسقاط الملكية والوقوف في وجه الإمبريالية الغربية. وبعد وصولهم إلى السلطة، فرض قادة الثورة أيديولوجيتهم على إيران، لكنهم لم يتجاوزوا أبدًا انعدام الأمان الكامن في ادعاء حق الحكم على مجتمع لم يخضع لهم بالكامل.

أما الجيل الجديد فلا يعرف شيئًا من ذلك بصورة مباشرة. فمعظمهم كانوا أطفالًا عند تأسيس الجمهورية الإسلامية، ونشأوا وهم يؤمنون بحقها في الحكم. هؤلاء الرجال لم يشقوا طريقهم إلى السلطة بالقتال، بل بلغوا سن النضج داخل مؤسسات السلطة، معتبرين شرعيتهم أمرًا مفروغًا منه. وانعدام الأمان الذي طبع الجيل المؤسس، أي الحاجة الدائمة إلى إثبات أن الثورة حقيقية، وأن ادعاءاتها جدية، وأن النخبة القديمة هُزمت فعلًا، غائب إلى حد كبير. إنهم لا يدافعون عن ثورة. إنهم يديرون دولة.

ولهذا الفارق النفسي آثار عملية هائلة. فعندما كان جيل علي خامنئي يواجه العالم، في مفاوضات الرهائن، أو المحادثات النووية، أو المواجهات الإقليمية، كان هناك دائمًا تيار كامن من المظلومية، وصوت يرتفع بخطاب الظلم التاريخي والانتصار الإسلامي. كان ذلك قويًا وحقيقيًا، لكنه كان عبئًا استراتيجيًا. لقد جعلهم قابلين للتوقع، دفاعيين، وميّالين إلى الخلط بين الدفاع عن أيديولوجيتهم والدفاع عن مصالح إيران الوطنية، وهي مصالح لم تكن دائمًا متطابقة بدقة.

لقد فصل الجيل الجديد بين الثورة وإدارة الدولة. في الداخل والخارج، لا يتبنى عظمة ثورية ولا يدعو إلى نشاط ثوري. القادة الجدد هم رجال مؤسسة: قوميون براغماتيون وصلبون، يعملون وفق تقييم واضح لقدرات إيران ونقاط ضعفها. وبخلاف أسلافهم، يستطيعون ممارسة الصبر الاستراتيجي والتحرك بحسم. إنهم ينظرون إلى نقاط ضعف إيران كثيرًا وعلانية، وهو أمر كان الجيل المؤسس أكثر هشاشة من أن يفعله بصدق، ويتعاملون معها كمسائل يجب حلها. وهذا الدافع هو ما قاد التغييرات التي أجرتها طهران بين الحربين.

صقلتهم المعارك

قبل الهجوم الأميركي – الإسرائيلي في حزيران/يونيو 2025، كان حكام إيران يفترضون أنهم يستطيعون إلى أجل غير مسمى الحفاظ على حالة لا حرب ولا سلام مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن ثبت أنهم كانوا مخطئين، وبدأت محاسبة ذلك الاطمئنان الزائف لحظة انتهاء حرب الأيام الـ12. توقعت القيادة الجديدة للحرس الثوري انهيار وقف إطلاق النار في حزيران/يونيو، واندلاع حرب أخرى لاحقًا، وربما بمشاركة الولايات المتحدة منذ البداية. وبدأت الجامعات الإيرانية ومؤسسات البحث ومراكز التفكير والهيئات الحكومية بعقد نقاشات حول الدروس المستفادة والتغييرات المطلوبة.

وخلال تلك الأشهر الثمانية، حدث تغيير مؤسسي أكبر مما حدث في السنوات العشر السابقة مجتمعة. فقد نُقلت كثير من القرارات التنفيذية المتعلقة بالتجارة والزراعة وإدارة الخدمات الاقتصادية والاجتماعية من طهران إلى عواصم المحافظات. كما شهدت المؤسسات المشرفة على الدعاية، والتواصل مع الجمهور الداخلي، ونشر المعلومات في الخارج، تغييرًا جيليًا واسعًا. لطالما طبع الخمول المؤسسي بيروقراطية الجمهورية الإسلامية، لكنه أفسح المجال الآن أمام ضرورة التكيّف السريع. وفي هذه العملية، تولى صناع القرار التكنوقراط زمام الأمور.

بعد مقتل خامنئي في غارة جوية أميركية – إسرائيلية، كان انتقال الخلافة إلى نجله مجتبى سريعًا ومنظمًا على نحو لافت. والجيل الجديد الذي برز من حرب حزيران/يونيو 2025 اختاره جزئيًا لأنه كان منذ مدة طويلة داعمًا له. كان مجتبى عضوًا في الحرس الثوري، وقاتل في الحرب الإيرانية – العراقية قبل أن يدخل الحوزة ليصبح رجل دين. ولاحقًا، خدم إلى جانب والده، مشرفًا على تحول الحرس الثوري وصعود قياداته المستقبلية. وقد أكد صعود مجتبى التحول الجيلي وسرّعه، فلم ينتج الانهيار المؤسسي الذي توقعته واشنطن، بل نقيضه.

كانت الطريقة التي قُتل بها خامنئي الأب، في منزله لا في مخبأ، ذات أهمية كبرى. فقد سارع القادة الجدد إلى تأطير موته بوصفه شهادة، ونجح هذا التأطير. وبدل أن يحبط اغتيال خامنئي النظام، منح الجيل الجديد من القادة اتجاهًا وغاية، وكان فعلهم الأول حشد القاعدة التنظيمية للجمهورية الإسلامية حول موته. كما اجتذبت هذه الرسالة شريحة أوسع من المجتمع الإيراني للالتفاف حول العلم.

عكست طريقة إيران في إدارة الحرب اللاحقة المقاربة التكنوقراطية للجيل الجديد. لطالما عملت الجمهورية الإسلامية عبر متاهة فوضوية من مراكز القوى المتنافسة، ما أنتج نقاشًا داخليًا لا ينتهي وجمودًا متصلبًا. لكن بين الحربين، أفسحت تلك الفوضى المجال أمام الانضباط التنظيمي والقدرة على الصمود.

أُنشئ مجلس أعلى جديد للدفاع، بقيادة جنرالات الحرس الثوري عبد الرحيم موسوي ومحمد باكبور وعلي شمخاني، لتسريع التغييرات العسكرية. وأدى قاليباف، وهو جنرال سابق في الحرس الثوري أصبح رئيسًا للبرلمان عام 2020، وعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، أدوارًا موازية في البيروقراطية المدنية والاقتصادية، عبر الوزارات الحكومية والسلطات البلدية. هؤلاء، وهم من قدامى الحرب الإيرانية – العراقية، تعلموا الإدارة في مواجهة صعاب تبدو مستحيلة على الجبهات. وأمام أكبر تحدٍ واجه إيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، تحرك الجيل المؤسس للثورة بسرعة لإعادة تنظيم إدارة الدولة حول الحرب. وأشرف هؤلاء القادة الأكبر سنًا على الانتقال إلى الجيل الجديد، الذي أعاد بسرعة تنظيم مراكز السلطة المتناثرة ضمن بنية متماسكة لصنع القرار قادرة على النجاة من فقدان أي قائد منفرد.

أُعيد تنظيم القوات المسلحة الإيرانية في شبكة من القيادات العملياتية تشبه قوة حرب عصابات أكثر مما تشبه جيشًا تقليديًا، مع تركيز السلطة بين مجموعات متقاربة التفكير بدل توزيعها بين فصائل مختلفة. وقد قُتل لاريجاني وموسوي وباكبور وشمخاني جميعًا في ضربات إسرائيلية لاحقة، لكن القدرة على الصمود التي ساعدوا في بنائها لم تضعف.

وفي ساحة المعركة، طبقت القوات المسلحة الإيرانية دروس حرب حزيران/يونيو 2025 بدقة. وردّت على الهجوم الأميركي – الإسرائيلي الذي بدأ في شباط/فبراير 2026 بوابل منهجي من الصواريخ والمسيّرات، صُمم لاستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأميركية والإسرائيلية في أنحاء المنطقة. وقد خلصت إلى أن خصومها توقعوا تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية بسرعة، ولم يكونوا مستعدين لحملة طويلة. خلال حرب 2025، استهدفت إسرائيل مداخل «مدن الصواريخ» الإيرانية، فأغلقتها فعليًا وأجبرت إيران على الإطلاق أساسًا من المناطق الشرقية الواقعة خارج مدى إسرائيل. وردّت إيران بتوزيع منصات إطلاقها الصاروخية عبر جغرافيتها الواسعة، وإدخال مهندسين إلى مدن الصواريخ إلى جانب العسكريين، لإصلاح المنصات والمداخل المتضررة في الوقت الحقيقي. وقد مكّن ذلك إيران من الاستمرار في الإطلاق مدة أطول مما توقعته إسرائيل والولايات المتحدة.

كما نشر الحرس الثوري مسيّرات رخيصة لإغراق أنظمة الرادار والمواقع العسكرية الأميركية في الخليج وإسرائيل، ما أعاق حملة القصف وفتح مسارات صاروخية نحو أهداف في أنحاء المنطقة. واستنادًا إلى منطق الحرب غير المتكافئة، وإلى تجربة استخدام الهجمات البشرية الموجية لإغراق المواقع العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، أرسلت إيران أسرابًا من مسيّرات «شاهد». وقد أضعفت هذه الأسلحة الرخيصة والقابلة للاستهلاك الدفاعات الجوية التي تحمي القواعد الأميركية، وكذلك قواعد حلفاء واشنطن العرب، وفتحت ممرات للصواريخ الدقيقة لضرب أهداف عالية القيمة. لقد تعلم الجيش الإيراني ليس فقط كيف يمتص العقاب، بل كيف يحقق أيضًا ميزة استراتيجية عبر إحباط أهداف خصومه الحربية.

توازن قوى جديد

أهم انتصار للجيل الجديد من القادة هو ببساطة أن استراتيجيتهم نجحت. فقد نجا النظام من قطع رأسه. وصمد أمام القصف الأميركي والإسرائيلي القاسي، وفرض السيطرة على مضيق هرمز، وواجه حصارًا بحريًا أميركيًا. وفي أثناء ذلك، وسّع ساحة المعركة إلى الخليج، ملحقًا أضرارًا جسيمة بـ16 قاعدة أميركية، وجاعلًا عدة قواعد غير قابلة للعمل. وفي آذار/مارس، أجبرت الميليشيات العراقية الولايات المتحدة على التخلي عن معسكر النصر، وهو منشأة عسكرية أميركية كبرى في بغداد كانت القوات الأميركية تحتلها منذ عام 2003.

كما خلقت الهجمات الإيرانية أزمة ثقة لدى دول الخليج. فقد جلبت الولايات المتحدة الحرب إلى مدنها وبناها التحتية الحيوية، وفشلت في حمايتها. وأصبحت اقتصاداتها أضرارًا جانبية. أما شرخ الثقة بين عواصم الخليج وواشنطن، فسيبقى بعد انتهاء النزاع المباشر. ويبقى سؤالًا مفتوحًا كم عدد القواعد الأميركية التي سيعاد بناؤها، وما إذا كانت الولايات المتحدة أو حلفاؤها العرب سيرون فائدة كبيرة فيها ضد إيران أظهرت قدرتها على التحكم بمضيق هرمز.

بإغلاق المضيق واستهداف بنى الطاقة التحتية، فرضت إيران تكاليف كبيرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وهذا الهجوم، الذي جمع بين أسراب المسيّرات و«أسطول البعوض» من الزوارق السريعة والتهديد بالألغام، أظهر قدرة طالما استخفت بها واشنطن. وتنظر طهران إلى حالة الجمود الناتجة عن ذلك باعتبارها توازن قوى جديدًا. لقد ضغط الحصار البحري الأميركي على الاقتصاد الإيراني، لكنه كشف في المقابل الأهمية الاستراتيجية لقبضة إيران على المضيق. ومن خلال الانتقال من الحرب الجوية إلى الحصار البحري، أقرت الولايات المتحدة عمليًا بأن إيران غيّرت ساحة المعركة التي سيدور عليها النزاع.

تبنى ترامب الحصار البحري بوصفه الرصاصة السحرية التي ستربح الحرب، لكنه لم يفعل سوى زيادة الضغط على الاقتصاد العالمي. وأشارت حالة الجمود إلى قدر أكبر من التكافؤ الاستراتيجي، وهو ما شددت عليه القيادة الإيرانية بقولها إن الحرب لن تنتهي إلا عندما ترفع الولايات المتحدة وإيران قبضتيهما الخانقتين عن الخليج. ومن الآن فصاعدًا، ستستخدم طهران السيطرة على المضيق، وهو نقطة اختناق اقتصادية عالمية حيوية بلا شك، كرافعة اقتصادية ورادع ضد الهجمات المستقبلية.

بالنسبة إلى قادة إيران، تعوّض هذه القوة المكتشفة حديثًا جزئيًا التكاليف التي تكبدتها خلال الحرب، بما في ذلك إضعاف حليفها اللبناني حزب الله، ونكسات أخرى عانت منها في السنوات الأخيرة، مثل خسارة سوريا كممر استراتيجي بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان أقوى حلفاء إيران في العالم العربي.

في نظر طهران، انتهى احتواء الولايات المتحدة لإيران، المستمر منذ عقود. وسيُعرَّف النظام الإقليمي الجديد بدرجة أقل عبر الهيمنة الأميركية، وبدرجة أكبر عبر تعددية الأقطاب، حيث تصبح الصين لاعبًا أكثر مركزية وتصبح إيران فاعلًا مدمجًا لا هامشيًا. وتعتزم طهران تثبيت هذه المكاسب في أي اتفاق ينهي الحرب. إن إصرارها على التحكم بمضيق هرمز وجباية رسوم من السفن العابرة، وشروطها المسبقة للمحادثات، أي وقف إطلاق النار في لبنان وإنهاء الحصار البحري الأميركي، تعكس اعتقاد القيادة بأن الحرب غيّرت ميزان القوى لمصلحتها. وحكام إيران الجدد يتفاوضون وفقًا لذلك.

سفن في مضيق هرمز (رويترز)

إدارة الدولة بدل الأيديولوجيا

حققت إيران هذه المكاسب الاستراتيجية عبر تطبيق دروس حرب الأيام الـ12 بسرعة مفاجئة. ففي حزيران/يونيو 2025، وجدت إيران نفسها تخوض الحرب بشروط إسرائيل. أما هذه المرة، فكانت مصممة على خوضها بشروطها هي. وإلى جانب إعادة تنظيم الجيش الإيراني، تبرز عدة تطورات محددة.

أحدها كان هجوم طهران على البنية التحتية للمعلومات. فقد أدرك القادة الإيرانيون مبكرًا أنهم لا يستطيعون مجاراة تفوق الولايات المتحدة وإسرائيل في استخبارات الأقمار الصناعية والضربات الدقيقة والدفاع الجوي المتكامل. لكن ما استطاعوا فعله هو إرباك عملية صنع القرار في ساحة المعركة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل عبر خلق فجوات بين ما ترصده المستشعرات وما يفسره القادة. فقد أضعفت الضربات على منشآت الرادار الأميركية في أنحاء الخليج بنية الإنذار المبكر والاستهداف التي تقوم عليها العمليات الجوية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. عملت إيران بصورة منهجية على تقويض التفوق التكنولوجي للخصم بدل مواجهته مباشرة.

وكان استيلاء إيران على مضيق هرمز تطورًا كبيرًا آخر. فقد طالما نوقش إغلاق المضيق في طهران كخيار عملي، وطالما استُبعد في واشنطن بحجة أنه سيضر صادرات إيران نفسها. وفوق ذلك، كان المسؤولون الأميركيون يعتقدون أن القوة البحرية الأميركية قادرة على تدمير الأسطول السطحي الإيراني في بداية الحرب، ما يزيل فعليًا قدرة طهران على إغلاق المضيق. لكن إيران أثبتت خطأ كل هذه الافتراضات. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، تمحورت العقيدة العسكرية الإيرانية حول الحرب غير المتكافئة المصممة لاستغلال نقاط ضعف القوات التقليدية الأميركية والإسرائيلية. ولم تكن بحاجة إلى بحرية تقليدية لإغلاق المضيق. باستخدام المسيّرات والزوارق السريعة والتهديد بالألغام، مارست سيطرة على المضيق، فعدّلت الضغط بصورة منهجية، وحافظت عليه لأسابيع، وتجنبت المواجهة الكاملة التي لم تكن مستعدة للفوز بها.

بات مضيق هرمز الآن مفهومًا لدى كل الأطراف باعتباره أصلًا إيرانيًا، لا ممرًا بحريًا مفتوحًا بضمانة أميركية. قال محلل إيراني لنا: «لم يعد تخفيف العقوبات مهمًا بالنسبة إلينا، لأننا نعلم أنه لن يأتي، وحتى لو جاء فلن يدوم طويلًا. نحن لا نكرر أخطاء الماضي. الآن إدارة هرمز هي المفتاح». ويمثل ذلك إعادة توجيه جذرية للاستراتيجية الاقتصادية الإيرانية، بعيدًا عن السعي إلى إعادة الاندماج في النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهو أمر يعتبره الجيل الجديد غير قابل للتحقيق، ونحو استثمار سيطرة إيران على جغرافيا حاسمة.

كما أجبرت الحرب طهران على تعميق اصطفافها التكتيكي مع الصين، وبناء ما يقترب أكثر من شراكة استراتيجية. فقد خلصت القيادة الإيرانية إلى أنه لا طريق للتطبيع مع الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع مواجهة الضغط الأميركي والإسرائيلي وحدها. وتعتقد طهران أن بكين ترى إيران الصامدة حليفًا جديرًا ومختبرًا. قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في أيار/مايو، بعد لقائه نظيره الصيني في بكين: «يعتقد أصدقاؤنا الصينيون أن موقع إيران الدولي تحسن منذ بداية الحرب. هناك عصر جديد من التعاون بين إيران والصين ينتظرنا». وأمام مهمة إعادة البناء بعد الحرب في نهاية المطاف، أصبح القادة الإيرانيون أكثر انفتاحًا من أي وقت مضى على اعتبار الصين شريكهم الخارجي الأساسي في إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

شكّلت حملة طهران الاتصالية خلال الحرب قطيعة أخرى مع الماضي. فقد أظهرت رسائل الحكومة الإيرانية عبر الإعلام والقنوات الدبلوماسية فهمًا متقدمًا للجمهور العالمي. ونشرت السفارات الإيرانية وشاركت محتوى واسع الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك مقاطع موسيقية متحركة تضم شخصيات «ليغو»، دفعت النقاش العام إلى ما وراء الشرق الأوسط بكثير. ووصل تأطير إيران للحرب إلى جماهير في العالم العربي وأفريقيا وأميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، بل حتى في الولايات المتحدة وأوروبا، وأقنعها. ويعكس الاتصال الاستراتيجي الإيراني البراعة التكنوقراطية نفسها التي ميزت الحملة العسكرية.

فيديو نشرته السفارة الإيرانية في بلغاريا يُصوّر استشهاد 168 طالباً في مدرسة “ميناب” وتضحية الأب “أحمد سالاري”، الذي دخل المبنى بعد الضربة الأولى لإنقاذ الأطفال

وأخيرًا، أدرك القادة الإيرانيون أن الضائقة الاقتصادية هي أكبر تهديد لاستقرارهم السياسي. والدرس الذي استخلصوه من الاحتجاجات الوطنية الأخيرة هو أن المظلومية الاقتصادية تعمل كمضاعف قوة للمعارضة. وما إن أُعلن وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل حتى مضت الحكومة في حزمة إصلاح اقتصادي، أنهت عددًا من الإعانات والبرامج المحمية سياسيًا، وهي خطوة بررتها القيادة بأنها ضرورية لإدارة التداعيات الاقتصادية للحرب. وتشير السرعة في الإعلان عن مشاريع إعادة بناء البنية التحتية، مثل الجسور والسكك الحديدية والمستشفيات، إلى أن الحكومة تتحرك نحو عقد اجتماعي جديد، يقوم على إثبات الكفاءة لا على الأيديولوجيا. وقد قدّم الحرس الثوري عرضًا علنيًا لقدراته التكنوقراطية في ساحة المعركة. أما السؤال الذي يطرحه قادة إيران الجدد الآن على أنفسهم، فهو ما إذا كان يستطيع جلب الكفاءة نفسها إلى إدارة الاقتصاد.

التحول القومي

في أعقاب الانتفاضات الجماهيرية والمذبحة اللاحقة للمتظاهرين في كانون الثاني/يناير 2026، بدا الإيرانيون موحّدين ضد النظام. وكانت سياسة البلاد آنذاك تُعرّف عبر القطيعة بين شعب قلق سئم العزلة والألم المتزايد الناتج من العقوبات الاقتصادية الأميركية، وبين حكومة تزداد ضعفًا وشعبيةً متراجعة وتواجه تحديات متصاعدة. لكن الحرب عقّدت هذه الصورة.

كان دمار الحرب واسعًا: البنية التحتية العامة، المصانع، المدارس، المستشفيات، المعالم التاريخية، وحتى أحياء كاملة صارت ركامًا. وبينما كانت القنابل والصواريخ الإسرائيلية والأميركية تضرب المشهد الإيراني، هدد ترامب بتسليح الانفصاليين، وإعادة رسم حدود إيران، وسحق اقتصادها، وإبادة حضارتها. وقد أثارت هذه الاعتداءات العسكرية والخطابية معًا رد فعل قوميًا تجاوز الانقسامات السياسية. لم يختفِ غضب الشعب من النظام. فالحزن والإحباط والاستياء المتراكم عبر عقود من سوء الحكم والقمع لا تزال موجودة. ما تغيّر هو المشهد السياسي الذي تجد فيه هذه المشاعر تعبيرها. فالمعارضة الآن تنكسر عبر صراع وطني ضد عدو خارجي يقارنه الإيرانيون بالإسكندر الأكبر، الذي غزا الإمبراطورية الفارسية في القرن الرابع قبل الميلاد، والجيوش العربية التي غزت في القرن السابع الميلادي، والمغول الذين جاءوا بعد ذلك بستة قرون.

وخلافًا لتوقعات الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تشعل الحرب تظاهرات في الشوارع. وكلما طال أمدها، بدا النظام أقل تهديدًا بالانتفاضات الشعبية. حشد المجتمع الإيراني نفسه لا ضد الدولة، بل إلى جانبها، من خلال مسيرات يومية في أنحاء البلاد، وتشكيل سلاسل بشرية لحماية محطات الطاقة، والتجمع على الجسور التي هددها ترامب. وقد تلاشى الحد الحاد بين الدولة والمجتمع، الذي كان يميز إيران في كانون الثاني/يناير، لا عبر الإقناع أو القمع، بل عبر التجربة المشتركة للعيش تحت القصف ومشاهدة دمارِه.

وبحسب تحليل لـ«بلومبيرغ»، كان ثلثا الأهداف التي ضُربت في طهران قبل وقف إطلاق النار مباني سكنية وتجارية ومدنية أخرى. وفي مقابلة تلو أخرى، وصف إيرانيون انفجارات ارتجّت في أجسادهم ليلًا ونهارًا، تاركة جروحًا نفسية عميقة. وبالنسبة إليهم، لم تعد القوات المسلحة الإيرانية هي القامع، بل المدافع. وقد التقط هتاف تردد في المسيرات في أنحاء إيران، تشجيعًا لضربات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، هذا التحول في المزاج: «اضرب، فأنت تضرب جيدًا». وكما قال الفيلسوف والمعارض الإيراني محمد مهدي أردبيلي في طهران خلال الأسبوع الخامس من الحرب: «في هذه اللحظة من الزمن، الجمهورية الإسلامية وإيران شيء واحد. إذا سقطت الجمهورية الإسلامية، سقطت إيران».

وامتد هذا الشعور إلى طريقة إدارة الحرب في الداخل. لاحظ الإيرانيون، أحيانًا بدهشة، أنه بعد أسابيع من القصف والحصار البحري، لم تحدث نقصانات في الغذاء أو الوقود، واستمرت الحياة اليومية إلى حد كبير من دون انقطاع. قال أحد سكان طهران لنا: «باستثناء القنابل، لم نشعر أننا في حرب. لو استطاعت الجمهورية الإسلامية دائمًا إدارة المجتمع بهذه الكفاءة، لما كان لدينا هذا العدد المعتاد من الشكاوى منها». هذه الملاحظات ليست تأييدًا، لكنها تعكس تغيرًا في نظرة الإيرانيين إلى قادتهم.

كثّفت عمليات إغلاق الإنترنت الحكومية هذه الدينامية. فعندما قطعت الحكومة المعلومات الخارجية دفاعًا ضد العمليات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية، كان الإيرانيون غير راضين، لكن لم يكن لديهم خيار كبير سوى التوجه إلى الشبكة الداخلية والإعلام المحلي. أزال الانقطاع إعلام الشتات ووسائل التواصل الموجهة لتعبئة المعارضة، فنتج نوع مختلف من النقاش الوطني. وتجذرت وجهات نظر جديدة وأكثر تعقيدًا، بما في ذلك بشأن الحرس الثوري، والتهديدات الأمنية التي تواجه إيران، وما بنته البلاد وما يجب أن تدافع عنه. قال ناشط قديم في المجتمع المدني، تعرض مرارًا للاستجواب بسبب نشاطه: «كنت دائمًا أتجاهل أو أستخف بما يقوله الحرس الثوري أو النظام الحاكم عن إسرائيل أو الولايات المتحدة. لكن في الأسابيع الماضية، لم يكن لدي سوى تطبيقات الرسائل والأخبار الإيرانية الداخلية، واضطررنا إلى النظر في مواقفهم ورؤية واقع التعرض للهجوم يوميًا». وقال أستاذ جامعي لنا: «دخلت البلاد حربًا وطنية، وتتشكل هوية جديدة».

«هل أنت إيراني بما يكفي؟»

لطالما سعت الجمهورية الإسلامية إلى عقد اجتماعي مع شعبها، لكن شروط هذا العقد تغيرت جذريًا عبر تاريخها. في السنوات الأولى، قام ذلك الاتفاق على التحول الثوري وإعادة توزيع الثروة. وفي التسعينيات، انتقل إلى النمو الاقتصادي والانفتاحات الاجتماعية المحدودة مقابل السكون السياسي. وقبل عقدين، وجّه الرئيس محمود أحمدي نجاد عائدات النفط إلى الفقراء مقابل الولاء للأيديولوجيا الرسمية. ووعد خلفه حسن روحاني بالنمو الاقتصادي عبر اتفاق نووي وتخفيف العقوبات. وقد فشلت كل هذه الجهود في خلق علاقة مستقرة بين الدولة والمجتمع، بدرجات متفاوتة ولأسباب مختلفة.

ما يُعرض الآن هو صفقة قومية – تكنوقراطية، تقوم فيها شرعية الدولة على قدرة مُثبتة على الدفاع عن البلاد وإعادة بنائها. الشروط قومية لا إسلامية. ينتج إعلام الدولة محتوى يطبّع صور نساء محجبات وغير محجبات يقفن جنبًا إلى جنب، ويقدّم الهوية الإيرانية بوصفها ثقافية لا دينية صرفًا، ويمد يده نحو شرائح المجتمع التي رفضت الجمهورية الإسلامية بأشد صورة، مثل الشباب والطبقة الوسطى الحضرية.

هذا ليس تحريرًا سياسيًا، فالواقع أن النظام لا يزال يقمع المعارضة السياسية بقسوة. لكن الدولة تقر الآن بأنها تحتاج إلى قاعدة اجتماعية أوسع بكثير مما تستطيع الأيديولوجيا الإسلامية وحدها توفيره. وبصورة متزايدة، تبدو الجمهورية الإسلامية أقل شبهًا بثيوقراطية وأكثر شبهًا بدولة سلطوية قومية يمينية. تستمر الأيديولوجيا الإسلامية، لكنها تُخضع لضرورات التماسك الوطني. لم يعد اختبار الولاء السياسي هو: «هل أنت إسلامي بما يكفي؟»، بل: «هل أنت إيراني بما يكفي؟». لا يزال المسجد حاضرًا، لكن الرمز السياسي المهيمن على القلائد ودبابيس الياقات، لدى الشباب والكبار، بات خريطة البلاد. وتستقطب مسيرات الحكومة دفاعًا عن الوطن حتى منتقدي النظام، وبعضهم دفع ثمنًا باهظًا لمعارضته في الماضي. وقد أصبحت هذه التجمعات مراكز لقومية تتمحور حول الحفاظ على الحضارة الإيرانية والاحتفاء بالبقاء بكرامة في مواجهة قوة كاسحة.

تدرك القيادة أن هذه لحظة فريدة وربما عابرة. فالمجتمع نفسه الذي حمى محطات الطاقة سيعود إلى مظالمه بمجرد انحسار التهديد المباشر. لم يذب غضب الشعب الإيراني من القمع وسوء الإدارة الاقتصادية وسوء معاملة النساء والأقليات، بل أخضعته الحرب مؤقتًا. وتمثل تنازلات الدولة في القضايا الاجتماعية، مثل التخفيف الفعلي لتطبيق الحجاب، والتسامح مع الحفلات الموسيقية وقيادة النساء للدراجات النارية، محاولة لجعل وحدة زمن الحرب قابلة للاستمرار قبل أن ينقلب المد السياسي. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه التنازلات كافية لتغيير العلاقة بين الدولة والمجتمع بصورة جوهرية.

بالنسبة إلى حكام إيران، سيكون التعامل مع المظالم الاقتصادية ضروريًا بعد انتهاء الحرب. تفترض واشنطن أن طهران لا تزال مهتمة بالتفاوض من أجل تخفيف العقوبات. لكن الحرس الثوري لا يعوّل على الدبلوماسية، فهو لم يعد يؤمن بأن الولايات المتحدة سترفع العقوبات يومًا. بل يسعى إلى اتفاق ينهي الحرب، ويرسخ مكاسب إيران، ويمهد الطريق لعوائد اقتصادية من فرض رسوم على حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.

تفسر واشنطن هذا الموقف الجديد على أنه تصلب ناجم عن جمود أيديولوجي وتنافس فصائلي في طهران. قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيسان/أبريل: «للأسف، المتشددون ذوو الرؤية القيامية للمستقبل هم من يملكون السلطة النهائية في ذلك البلد». وأضاف: «مفاوضونا لا يتفاوضون فقط مع الإيرانيين. فهؤلاء الإيرانيون عليهم بعد ذلك أن يتفاوضوا مع إيرانيين آخرين كي يكتشفوا ما يمكنهم الموافقة عليه، وما يمكنهم عرضه، وما هم مستعدون لفعله، وحتى من هم مستعدون للقاءه». وردد نائب الرئيس جي دي فانس الفكرة في أيار/مايو. قال: «ربما الإيرانيون أنفسهم غير واضحين تمامًا في أي اتجاه يريدون الذهاب. وهم أيضًا بلد منقسم».

روبيو وفانس مخطئان. فنهج طهران المتحدي لا يعكس جمودًا أيديولوجيًا ولا اقتتالًا فصائليًا. بل يُظهر ثقة إيران الجديدة والدروس التي تعلمتها من الحرب ومن جولات المفاوضات السابقة. يدرك قادة البلاد أن الولايات المتحدة تسعى إلى انتزاع عبر المفاوضات ما لم تستطع تحقيقه في الحرب، وأن واشنطن لا تريد اتفاقًا بل استسلام إيران. مرتين من قبل، في حزيران/يونيو الماضي وفي شباط/فبراير، قُطعت المحادثات مع الولايات المتحدة بضربات أميركية وإسرائيلية. وبعد انهيار محادثات إسلام آباد في 12 نيسان/أبريل، فرضت واشنطن فورًا حصارًا بحريًا، تبعه طلب آخر بالاستسلام غير المشروط لإيران. يدّعي القادة الإيرانيون بالفعل أنهم ربحوا الحرب. وهم غير مستعدين للتخلي عن المكاسب التي حققوها، أو العودة إلى قفص الاحتواء الذي عاشوا فيه قبل الحرب. هذه الثقة بالنفس، المتجذرة في الاعتقاد بأن الحرب قوّت إيران بدل أن تضعفها، هي التي تشكل رؤيتهم الدولية. وهي أيضًا مركزية للشرعية التي يسعون إليها في الداخل. يجب أن تعكس النهاية الدبلوماسية التي يريدونها ما انتزعه تحدي إيران في الحرب.

عقيدة الجبهات المتعددة

لا يعني التحول القومي الواضح في الداخل أن طهران ستتخلى عن حلفائها الإقليميين. فهي لن تعيد التفاوض جذريًا على علاقاتها مع حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن. لكنها ستدير هذه العلاقات بانضباط استراتيجي أكبر ورومانسية أيديولوجية أقل. لن تضحي القيادة الإيرانية الجديدة بمصالح إيران على مذبح التضامن الثوري. وستُستخدم هذه التحالفات كجزء من استراتيجية إقليمية متماسكة مصممة للحفاظ على العمق الاستراتيجي الإيراني في مواجهة الضغط الأميركي والإسرائيلي المستمر.

خلص الاستراتيجيون الإيرانيون إلى أنه كان خطأً، خلال حرب غزة، السماح لإسرائيل بالوقت الكافي لمحاربة العقد المختلفة في «محور المقاومة» التابع لطهران واحدة تلو الأخرى. وقد جاءت الضربات الأميركية – الإسرائيلية خلال العام الماضي مباشرة نتيجة ذلك الفشل في التنسيق. لكن في شباط/فبراير، وبعد تعلم الدرس، فعّلت إيران بسرعة حزب الله في لبنان والميليشيات العراقية في الوقت نفسه، فخلقت جبهة ثانية لإسرائيل في لبنان، ووسعت الحرب في أنحاء المنطقة، وأجبرت الولايات المتحدة على إغلاق معسكر النصر في العراق، وهو ما تراه طهران تأكيدًا لصحة عقيدتها متعددة الجبهات.

يحافظ القادة الإيرانيون على شبكتهم الإقليمية لا انطلاقًا من رغبة أيديولوجية في استعراض القوة، بل من حساب مفاده أن إيران لا يمكن أن تكون ذات سيادة كاملة ما دامت تواجه تهديدات عسكرية وخنقًا اقتصاديًا من الولايات المتحدة وإسرائيل. إن إصرار إيران على أن المفاوضات مع الولايات المتحدة مشروطة بوقف إطلاق النار في لبنان، وأن الاتفاق النهائي يجب أن ينهي الحرب على كل الجبهات ويعكس مكاسب إيران الاستراتيجية، يوضح هذه النظرة الواسعة إلى الدفاع الإقليمي. وفي تحليل طهران، تهدف السياسة الأميركية والإسرائيلية إلى هيمنة إسرائيلية في أنحاء الشرق الأوسط، وهو هدف يتطلب إيران ضعيفة ومحطمة.

أما محور المقاومة، الذي كان كثير من الإيرانيين يرفضونه سابقًا بوصفه صدقة لقضية أيديولوجية، فقد باتت شريحة أوسع من السكان تفهمه كأداة للدفاع الوطني. كما أن هدف إيران منع الولايات المتحدة من إعادة بناء منشآتها الرادارية المتضررة في الخليج هو تعبير آخر عن المنطق نفسه، أي جهد متعمد لإضعاف بنية الإنذار المبكر التي شكّلت أساس الهيمنة العسكرية الأميركية في مياه تعدّها إيران فناؤها الاستراتيجي.

جمهورية إسلامية جديدة

كانت الحرب بوتقة صهرت نسخة جديدة من الجمهورية الإسلامية، وأول تحول جيلي كبير منذ تأسيسها. لم تعد السلطة بيد المؤسسين. فالجيل الثاني يدير الآن الشؤون العسكرية والسياسية، بينما يتولى الجيلان الثالث والرابع الاتصالات والتواصل الدولي.

في سنواتها الأولى تحت حكم الخميني، كانت الجمهورية الإسلامية دولة ثورية: منظمة حول التحول الأيديولوجي، ومشرعنة عبر السلطة الكاريزمية للمرشد الأعلى وادعائه تنفيذ إرادة الله، وموجهة في سياستها الخارجية نحو تصدير الثورة. وبعد وفاة الخميني عام 1989، مرورًا بمرحلة الإصلاح ثم ترسيخ الخط المتشدد في عهد خامنئي، كانت الجمهورية دولة ما بعد ثورية تفاوض باستمرار بين أيديولوجيتها التأسيسية ومتطلبات الحكم. أدارت القيادة شعبًا يزداد تشككًا عبر القمع والمحسوبية والانفتاحات المحدودة. ورأت مقاومة النفوذ الأميركي كضرورة مناهضة للإمبريالية، لكنها بقيت، قبل كل شيء، جمهورية إسلامية يحكمها الجيل المؤسس وتحركها معاركه الداخلية.

أما الجمهورية التي وُلدت من الحروب الأميركية – الإسرائيلية فتُعرَّف بدرجة أقل عبر الأيديولوجيا وبدرجة أكبر عبر القومية، وبدرجة أقل عبر الثورة وبدرجة أكبر عبر إدارة الدولة، وبدرجة أقل عبر الكاريزما الدينية وبدرجة أكبر عبر ثقة طبقة ضباط جديدة وروحها التكنوقراطية. ومن منظور مقارن، تشبه الدول القومية التي قادها عسكريون في القرن العشرين، مثل تركيا في عهد الكماليين المتأخرين، ومصر في عهد جمال عبد الناصر، حيث بقيت الأيديولوجيا موجودة لكنها خضعت للمصلحة الوطنية وضرورات قوة الدولة.

هذا التحول بعيدًا عن العقيدة الجامدة ونحو إدارة براغماتية للدولة لا يجعل الجمهورية الإسلامية أكثر اعتدالًا. فالدول الأمنية القومية غالبًا ما تكون قاسية تجاه شعوبها ومزعزعة للاستقرار الدولي. وستظل الجمهورية الإسلامية الناشئة شديدة السلطوية. لكن التصنيفات التي غالبًا ما استخدمها المحللون الغربيون لوصف فصائلها المختلفة، مثل متشددين مقابل معتدلين، أو أيديولوجيين مقابل إصلاحيين، ستكون أقل دقة من أي وقت مضى. ستتشكل أولويات الجمهورية الإسلامية الجديدة، وطريقة سعيها لتحقيقها، من التجارب المحددة لحربيها مع إسرائيل والولايات المتحدة: الخسائر التي تكبدتها إيران، والثقة التي اكتسبتها قيادتها، والعقد الاجتماعي الجديد الذي جعلته الحرب ضروريًا وممكنًا.

السابق
نتنياهو: الحرب مع إيران و«الحزب» لم تنتهِ… ولن نسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي!