«خيبة الردع وبازار المقايضة».. تململ حاد في بيئة حزب الله: لماذا عُزلت الضاحية وتُرِك الجنوب ينزف وحده؟

الدمار في الجنوب

أعاد التفاهم الميداني الأخير الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وجاء بموافقة حزب الله، الهدوء النسبي والتطمين والتحييد لضاحية بيروت الجنوبية، لكنه في المقابل فجّر بركاناً من التساؤلات المريرة والشعور المتنامي بالخذلان لدى أهالي وجماهير جنوب لبنان. فبينما حُيّدت العاصمة وضاحيتها، تُرِك الجنوب ينزف وحيداً خارج أولويات الحماية، ليواجه آلة التدمير الإسرائيلية المستمرة في قضم القرى والبلدات غداة الحديث عن المعادلة الجديدة.

«معادلة كاتس» وفصل المسارات الميدانية

كشف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحةً عن أبعاد التنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والجيش لإرساء معادلة جديدة تبنتها واشنطن وأبلغت بها حكومة لبنان، وتقضي بالتعامل مع ضاحية بيروت الجنوبية كمعقل لحزب الله تماماً كما يتم التعامل مع بلدات الشمال الإسرائيلي؛ بحيث إن أي استهداف لشمال إسرائيل سيقابله إخلاء كامل وضخم وضارب للضاحية الجنوبية.

وفيما التزم حزب الله التزاماً تاماً بالمعادلة الموضعية، وامتنع عن شن أي هجمات صاروخية عبر الحدود منذ يوم الاثنين، استغلت إسرائيل هذا الانكفاء الميداني لتواصل حرب الإبادة والتغلغل في قضاء النبطية والقطاعين الشرقي والغربي.

ووجّه الجيش الإسرائيلي إنذارات عاجلة لسكان مدينة النبطية لمغادرتها فوراً، ونشر قواته في مواقع استراتيجية جنوبي المدينة، وتوّج عملياته بالسيطرة الميدانية على قلعة الشقيف التاريخية.

وأسفرت الغارات الجوية العنيفة والقصف المدفعي لجنوب لبنان عن ارتقاء أربعة شهداء على الأقل في بلديتين، في وقت خففت فيه إسرائيل جزئياً القيود في مناطقها الشمالية، وسمحت للمستوطنين بالعودة إلى العمل والدراسة بناءً على الأمان الذي منحه التفاهم الأخير لبلداتهم.

في المقابل اكتفى حزب الله بإطلاق قذائف مدفعية على القوات الإسرائيلية قرب قلعة الشقيف ومركبات عسكرية جنوبي النبطية، دون أي تصعيد صاروخي عابر للحدود يحمي القرى من التدمير الممنهج.

تململ الحاضنة الشعبية وتصاعد النقمة ضد حزب الله

في ظل هذا المشهد القاتم، برز السؤال الأكثر حضوراً وجرأة في مجالس الجنوبيين النازحين: لماذا تُرِك الجنوب اللبناني ينزف وحده؟

وفي جولة استطلاعية أجراها موقع «سكاي نيوز عربية» بين أبناء الجنوب المقيمين مؤقتاً على أرصفة بيروت وفي مراكز نزوحها، انكسر جدار الصمت الطويل وتصاعدت نبرة الغضب والإحباط والتململ غير المسبوق داخل البيئة والحاضنة الشعبية التي طالما تغنت بـ «معادلات الردع»، وتلخصت آراء الأهالي المحتقنة في النقاط التالية:

غياب النواب والمسؤولين:
عبّر أبو حسن (62 عاماً)، من إحدى قرى قضاء بنت جبيل، عن مرارته قائلاً: “كنا نسمع طوال سنوات شعارات تربط أمن الجنوب بمعادلات الردع، لكن ما حصل جعلنا نشعر بأننا تُرِكنا وحدنا نواجه مصيرنا”. ولدى سؤاله عن نواب حزب الله في المنطقة، أجاب بغضب: “لم نرَ أحداً منهم.. خسرنا منازلنا وأرزاقنا وقرانا دُمِّرت، فمن يتحمل اليوم مسؤولية ما وصلنا إليه؟”.

مأساة بلا مقابر وسقوط الشعارات:
عبّرت فاطمة، وهي أم لثلاثة أبناء، عن حجم النقمة الشعبية بالقول: “الغضب يتزايد بين الأهالي بسبب استمرار المعاناة من دون أفق واضح للعودة أو إعادة الإعمار. لا منازل بقيت في بلداتنا الجنوبية ولا حتى مقابر، عن أي مقاومة يتحدثون؟ هناك شعور جارف بأن الجنوب لم يعد أولوية في الترتيبات السياسية والأمنية الحالية”.

المسؤولية المباشرة عن قرار الحرب:
حمّل علي (55 عاماً) حزب الله المسؤولية الأساسية والمباشرة عما جرى، مؤكداً: “قرار الدخول في هذه المواجهة كانت له نتائج كارثية على القرى الجنوبية. والناس اليوم تسأل بمرارة إن كان أحد من قادة الحزب قد حسب مسبقاً حجم الخسائر الكارثية التي سيتكبدها المدنيون دون الحصول على أي ضمانات تحميهم أو تعوضهم”.

الجنوب كـ «ورقة مقايضة» في بازار المصالح

لم تقتصر النقمة على الجوانب الإغاثية والخدماتية، بل تعدتها إلى قراءة سياسية شعبية تشعر بالمرارة من سلوك القيادة السياسية للحزب؛ حيث عبّرت غادة (من بلدة حدودية مختلطة) عن إحساس عام بالمهانة، مؤكدة أن الناس تريد إجابات واضحة عمّا حدث وعن مستقبل عائلاتهم بعد أن سويت بلداتهم بالأرض لمصلحة تحييد مناطق أخرى.

واختصر نبيل (40 عاماً) الحالة الراهنة بقوله: “هناك قناعة تتردد اليوم بقوة في المجالس الشعبية بين النازحين بأن الجنوب أُبرِم عليه تفاهم مجتزأ، وبِيع في بازار المصالح والتسويات السياسية والأمنية الكبرى لحماية العاصمة وضاحيتها”.

وأضاف أن المواطن العادي في البيئة الجنوبية سقطت لديه الشعارات الكبرى، ولم يعد يهتم بها بقدر اهتمامه ببيته وأرضه المفقودة ومستقبل أولاده الذي بات مجهولاً وسط ضبابية المشهد السياسي.

في المحصلة، يجد أبناء الجنوب أنفسهم اليوم أمام واقع ميداني وسياسي شديد القسوة؛ فالتفاهمات الجزئية التي أمّنت سماء الضاحية والعاصمة، أسقطت في الوقت نفسه معادلة “وحدة الجبهات” الداخلية، وتركت القرى والبلدات الحدودية مكشوفة وحيدة تحت آلة الدمار الإسرائيلية.

هذا التمييز في مستويات الحماية ولّد شرخاً عميقاً وشعوراً جارفاً بالخذلان لدى الحاضنة الشعبية، التي باتت على قناعة بأن أراضيها وأرزاقها تحولت إلى ورقة مقايضة في بازار التسويات الكبرى، ليبقى المواطن الجنوبي وحده من يدفع الفاتورة الأقسى للحرب دماراً ونزوحاً وضياعاً للمستقبل.

السابق
الخارجية الأميركية تعلن: تقدم سياسي وأمني في محادثات واشنطن.. نحو «اتفاق شامل»