يتسارع التدحرج الميداني والدبلوماسي المرتبط بالعدوان الإسرائيلي على لبنان نحو منزلقات بالغة الخطورة؛ ففي خطوة فرنسية لافتة تعكس حجم القلق الدولي من عمق التوغل الإسرائيلي، أعلنت باريس رسمياً تحركها العاجل داخل أروقة الأمم المتحدة لوضع حد للمسار العسكري المتصاعد.
ويأتي هذا التحرك السياسي بالتزامن مع إعلان الاحتلال تثبيت وجوده البري شمال مجرى نهر الليطاني، وفي وقت تكشف فيه القراءات الدبلوماسية الغربية عن الخلفيات العميقة والفرص الضائعة التي قادت لبنان إلى هذه النكبة الميدانية الجديدة.
باريس تستنكر استعراض «البوفور» وتطلب اجتماعاً طارئاً لمجلس الأمن
وفي موقف حازم حيال التطورات الأخيرة، أعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو، اليوم الأحد (31 أيار 2026)، أن باريس طلبت رسمياً عقد اجتماع طارئ لـ «مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة»، وذلك في أعقاب سيطرة الجيش الإسرائيلي على «قلعة الشقيف» التاريخية الشهيرة في جنوب لبنان، ورفع العلم الإسرائيلي فوق أسوارها.
وفي تصريح تلفزيوني له، أوضح بارو خلفيات هذا الموقف الفرنسي قائلاً:
“نحن نعترف بحق إسرائيل، مثل أي دولة، في الدفاع عن النفس ضد هجمات حزب الله، لكن لا شيء يبرر استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وتوغلها المتزايد داخل الأراضي اللبنانية”.
ووصف رئيس الدبلوماسية الفرنسية التقدم البري الإسرائيلي الحالي بأنه يمثل «خطأً كبيراً» من جانب تل أبيب، مشدداً على أن هذا التوغل في العمق اللبناني يتعارض تماماً مع التزامات إسرائيل الدولية، ولا سيما في ظل اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 17 نيسان/أبريل الماضي، ويشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
كاتس يتمسك بـ «المنطقة الأمنية» والشقيف مكسب تاريخي
في المقابل، وجّهت القيادة العسكرية للاحتلال رسائل إصرار على قضم الأرض؛ حيث أكد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، اليوم الأحد، أن قوات بلاده ستبقى في «قلعة الشقيف» ولن تخرج منها، معتبراً إياها جزءاً حيوياً مما أسماه «المنطقة الأمنية في لبنان».
وأضاف كاتس أن السيطرة على مرتفعات الشقيف بعد عبور نهر الليطاني تؤمن واحدة من أهم النقاط الإستراتيجية الكفيلة بحماية مستوطنات الجليل الأعلى وتأمين تحركات القوات البرية. ويُعد هذا التطور أعمق توغل عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية منذ أكثر من ربع قرن، كما يمثل أكبر مكسب ميداني تحققه تل أبيب منذ اندلاع المواجهة الشاملة في مطلع آذار/مارس الماضي.
كواليس ديبلوماسية.. هل كان ممكناً منع حصول هذه النكبة؟
في قراءة نقدية للمسار السياسي والعسكري الذي قاد إلى هذا التدهور، نقلت صحيفة «النهار» اللبنانية عن ديبلوماسي غربي بارز تحليلاً يفكك محطات المرحلة الماضية للإجابة عن سؤال: هل كان ممكناً منع حصول هذه النكبة؟
ويستند الديبلوماسي الغربي في تقييمه إلى المعطيات الآتية:
- هروب نتنياهو نحو الحروب: يوضح الديبلوماسي أنه بعد وقف النار في أواخر عام 2024، كانت إسرائيل تحتل بالفعل خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية. ولكن نتيجة الحرب في لبنان وغزة التي أثبتت تفوق إسرائيل عسكرياً، وبسبب وجود رئيس حكومة كـ «بنيامين نتنياهو» الهارب من محاكمته وأزماته السياسية الداخلية نحو حروب لا تنتهي، تمردت الحكومة الإسرائيلية على الاتفاق المعقود مع لبنان.
- تقاطع المصالح في عدم التنفيذ: التقت رغبة التصلب الإسرائيلية مع سلوك «حزب الله» الذي رفض بدوره تنفيذ بنود الاتفاق والالتزام بالقرارات الدولية.
- خطاب القسم وإجهاض مساعي الدولة: يستذكر الديبلوماسي محطة أساسية عند استلام الرئيس جوزف عون رئاسة الجمهورية في لبنان؛ حيث تحدث بوضوح في خطاب القسم عن «حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية» وطرح عناوين واضحة لـ «استراتيجية الأمن الوطني». وبادر الرئيس عون بعدها إلى التواصل مع القوى المعنية، إلا أن «حزب الله» رفض بشكل قاطع تسهيل أي خطوات تؤدي إلى حصر السلاح أو تنظيم الاستراتيجية الدفاعية.
- تكتيك «إضاعة الوقت»: يختم الديبلوماسي الغربي إفادته بالإشارة إلى أن الحزب حاول مراراً إمرار الوقت وعرقلة الحلول بلقاءات شكلية عقيمة، وهو سلوك يذكر بما تردد في الأروقة السياسية قبل أعوام حول تعمده إضاعة الوقت إبان طاولات الحوار الوطني المخصصة لبحث الاستراتيجية الدفاعية للبنان، مما حرم الدولة من فرصة تحصين سيادتها وسحب الذرائع من يد الاحتلال، لينتهي الأمر بالجنوب إلى السقوط مجدداً تحت وطأة النار والاحتلال المباشر.

