في خطوة تنذر بنقل الشروخ والاضطرابات السياسية والميدانية من جبهات الجنوب المحترق إلى قلب العاصمة بيروت، تشهد الساحة اللبنانية غلياناً شعبياً وسياسياً غير مسبوق. ففي أعقاب السقوط المدوي لـ «قلعة الشقيف» الإستراتيجية وتمدد قوات الاحتلال الإسرائيلي عبر مجرى نهر الليطاني، انطلقت دعوات واسعة عبر الفضاء الرقمي للنزول إلى الشارع، في تحرك يراه مراقبون بمثابة أول هزة شعبية وسياسية مباشرة تلامس المطالبة بإسقاط العهد والحكومة منذ انتخاب رئيس الجمهورية، جوزيف عون.
وتعكس هذه التطورات المتسارعة حجم الاحتقان في الشارع اللبناني وانقسامه الحاد حول تقييم أداء مؤسسات الدولة الرسمية في مواجهة العدوان المستمر.
ساحة الشهداء تترقب.. شعارات تتهم الرئاسة بـ «العجز والتواطؤ»
تداول ناشطون ومجموعات جنوبية على منصات التواصل الاجتماعي بياناً عاجلاً يدعو إلى تجمع شعبي مركزي في ساحة الشهداء بوسط بيروت، عند الساعة 4:00 من بعد ظهر اليوم الأحد (31 أيار 2026)، تحت شعار بليغ وعنيف: «أين السلطة من دمائنا؟».
ووجه منظمو الحراك، الذين ذيلوا بيانهم بتوقيع «شعب لبنان المقاوم – طائفة المقاومة»، انتقادات حادة وقاسية إلى الرئاسة الأولى ومؤسسات الدولة والسلطة السياسية القائمة، معتبرين أن الأداء الرسمي سقط في اختبار حماية الوطن. وجاء في نص البيان الموزع:
“إن الدبلوماسية لم تحمِ، والرئاسة لم تحمِ، والدولة لم تحمِ، والسلطة لم تحمِ.. هذه السلطة السياسية غارقة في الصمت أمام بحر الدماء والإهانات والاستهدافات اليومية التي تطال أبناءنا وأرضنا”.
اتهامات بالتواطؤ ودعوة صريحة لإسقاط الحكومة والعهد
تجاوزت هذه الدعوة سقف المطالبة بتحسين الأداء الدبلوماسي أو إرسال المساعدات، لتتحول إلى هجوم بنيوي يطعن في شرعية بقاء أركان الحكم في مواقعهم. واتهم البيان السلطة الحالية بالسماح للاحتلال باجتياح الأراضي اللبنانية والسكوت عن نسف السيادة الوطنية والحدود التاريخية.
وأردف منظمو الاحتجاج بلهجة تصعيدية:
“إن السلطة التي تسمح باجتياح لبنان واحتلاله، والتي تتواطأ على شعبها وأهلها وعلى أشرف مقاومة في بلادها، وتسمح باستهدافه المستمر دون أن تدافع عنه، هي سلطة غير جديرة بأن تبقى في مكانها ويجب أن ترحل فوراً”.
واعتبر الحراك أن التحرك ضد السلطة في الشارع بات واجباً وطنياً، واصفين المنظومة الحاكمة بأنها “تتواطأ مع العدو ضد المكونات الشعبية ولم تكن يوماً حريصة على حمايتها”.
مواجهة سياسية مفتوحة.. هل تشتعل بيروت؟
يأتي هذا الحراك الشعبي المباغت في توقيت سياسي بالغ الحرج والحساسية، حيث يعيش لبنان نقاشاً سياسياً محموماً وخلافات عميقة حول طريقة التعاطي مع التطورات العسكرية الأخيرة والضغوط الدولية المتزايدة لإعادة ترتيب الأوضاع جنوب نهر الليطاني.
وإذ تنقسم القوى السياسية اللبنانية بين من يطالب بحصرية السلاح بيد الجيش والالتزام الكامل بقرارات الدولة (كما جاء في بيان المجلس الثقافي للبنان الجنوبي)، وبين بيئة ديموغرافية غاضبة تشعر بالخذلان وترى في سلوك الدولة “تواطؤاً عاجزاً”، يترقب المراقبون بحذر شديد مآلات تحرك ساحة الشهداء؛ فهل يبقى في إطار الاحتجاج الموضعي العابر، أم يشكل الشرارة الأولى لمواجهة سياسية وأمنية أوسع تقوض الاستقرار الهش لعهد الرئيس جوزيف عون والحكومة القائمة تحت وطأة الحصار والنار؟


