في «عيد التحرير»: الجنوب مجدّدا تحت الاحتلال!

خريطة

في ذكرى “عيد التحرير” الـ26، عادت أجزاء واسعة من الجنوب تحت الاحتلال والسيطرة النارية الإسرائيلية، على اثرالحرب التي فتحها “حزب الله” في تشرين الأول 2023 تحت عنوان “إسناد غزة”، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى “إسناد إيران” بحرب يائسة دون أفق قريب للحلّ.

“التحرير الثالث”: اعتراف بعودة الاحتلال

في كلمته أمس، بدا الأمين العام لـحزب الله الشيخ نعيم قاسم متوترًا، وهو يعد اللبنانيين بما سمّاه “التحرير الثالث”، في اعتراف ضمني بحجم الخسارة. فحين يتحدث الحزب عن “تحرير جديد”، فهذا يعني عمليًا أن الجنوب الذي تحرر عام 2000 عاد ليقع تحت الاحتلال والدمار مجدّداً.

الحرب التي اطلقها حزب الله ضدّ اسرائيل باعتبارها “جبهة إسناد محدودة” سرعان ما تحولت إلى مواجهة غير متكافئة وطويلة مع العدوّ الغاشم، دفعت البلاد إلى واحدة من أكبر الكوارث في تاريخها الحديث. أكثر من مليون لبناني تعرضوا للنزوح، عشرات الآلاف بين قتيل وجريح، ودمار هائل طال البنى التحتية والمنازل والاقتصاد المحلي، فيما الدولة اللبنانية تقف عاجزة أمام قرار الحرب والسلم الذي بقي حصرًا بيد الحزب.

اللافت أن الشيخ قاسم حمّل الدولة اللبنانية مسؤولية التقصير والخسائر، متجاهلًا حقيقة أن الدولة ورؤسائها كانوا مغيّبين عن قرار فتح الحرب أصلًا. فكيف تُسأل دولة عن نتائج حرب لم تقررها؟ وكيف تتحمل المؤسسات الرسمية تبعات معركة خيضت ضمن حسابات إقليمية مرتبطة بطهران أكثر مما ترتبط بالمصلحة اللبنانية؟

الحرب التي اطلقها حزب الله ضدّ اسرائيل باعتبارها “جبهة إسناد محدودة” سرعان ما تحولت إلى مواجهة غير متكافئة وطويلة مع العدوّ الغاشم، دفعت البلاد إلى واحدة من أكبر الكوارث في تاريخها الحديث.

الجنوب رهينة المشروع الإيراني

لم يعد الجنوب ساحة دفاع عن لبنان بقدر ما صار ورقة تفاوض إقليمية. اليوم تفاوض دولة ايران دولة الولايات المتحدة على مصالحها الكبرى: النووي، العقوبات، النفوذ الإقليمي، فيما يُترك “حزب الله” ليخوض في لبنان معركة دون أفق حتى النهاية، وبهذا فان الحزب الذي بنى شرعيته على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وجنى الجنوبيون منذ تحرير عام 2000 خيرات الامان والسلام ،استقرارا وازدهارا اقتصاديا كبيرا، وجدوا انفسهم في خضم حرب مجنونة نتج عنها دمار يفوق في بعض جوانبه ما خلّفته مراحل الاحتلالات السابقة، والأسوأ أن البيئة الجنوبية نفسها، التي احتضنت خيار المقاومة لعقود، باتت تدفع وحدها تقريبًا أثمان المغامرة المفتوحة: تهجير، انهيار اقتصادي، فقدان مصادر الرزق، وقرى تحولت إلى مناطق منكوبة.

لا يحتاج اللبنانيون اليوم إلى خطاب تعبوي جديد على نسق خطاب الشيخ قاسم امس الذي دعا فيه للتمرّد على الدولة والاستمرار في الحرب وتقديم التضحيات، بل يحتاجون لسماع إلى مراجعة عميقة: ماذا بقي من “التحرير” إذا كان الجنوب يُدمّر كل بضع سنوات؟ وما معنى الانتصارات الخطابية فيما الناس تبحث عن بيت وسقف ومدرسة ومستشفى؟

لم يعد الجنوب ساحة دفاع عن لبنان بقدر ما صار ورقة تفاوض إقليمية. اليوم تفاوض دولة ايران دولة الولايات المتحدة على مصالحها الكبرى: النووي، العقوبات، النفوذ الإقليمي، فيما يُترك “حزب الله” ليخوض معركته في لبنان دون أفق حتى النهاية

بين الدولة والسلاح

المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالصراع مع إسرائيل، بل بطبيعة النظام اللبناني المشوّه بفعل تنازع الصلاحيات والمسؤوليات، فحين يحتكر طرف واحد قرار الحرب، تصبح الدولة مجرد شاهد على الكارثة. وحين تُربط الجبهة اللبنانية بمسارات التفاوض الإيرانية، يفقد اللبنانيون حقهم الطبيعي في تقرير مصيرهم الوطني بعيدًا عن حسابات المحاور.

لا أحد يطلب التماهي مع إسرائيل أو تبرئة عدوانها المستمر، فهي تبقى دولة احتلال وعدوان، ومسؤولة عن المجازر والدمار والانتهاكات. لكن في المقابل، لا يمكن الاستمرار في سياسة تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة لحروب غير محسوبة، يدفع المدنيون وحدهم ثمنها.

في ذكرى عيد التحرير، نعم يحتاج لبنان الى “تحرير ثالث”، ولكن يحتاج أكثر الى تحرير قراره الوطني من منطق الحروب الدائمة!

السابق
«تصعيد خطير جنوباً».. شهداء ودمار وإنذارات إسرائيلية لسكان صور
التالي
12 مليار دولار وفتح تدريجي لهرمز.. تسريب تفاصيل جديدة عن اتفاق إيران