يصادف بعد يومين «عيد المقاومة والتحرير» في لبنان، ذلك اليوم الذي أقرّه مجلس الوزراء رسمياً للاحتفاء بالانسحاب الإسرائيلي المذل من جنوب لبنان في الخامس والعشرين من أيار عام 2000.
كان ذلك التاريخ يمثل لحظة نادرة من الإجماع الوطني، وعنواناً لانتصار تاريخي غير مسبوق حققه اللبنانيون بدمائهم وصبرهم، واعتُبر نقطة تحول ظنّ الكثيرون أنها ستؤسس لولادة «الدولة القادرة والعادلة» التي تحمي حدودها بجيشها وتصون كرامة أبنائها تحت سقف القانون والسيادة المطلقة.
لكن، وبعد مرور ستة وعشرين عاماً على ذلك الإنجاز، يأتي العيد هذا العام والبلاد غارقة في أتون محرقة مدمرة، ليطرح السؤال نفسه اليوم بأعلى صوت وأقسى مرارة: ماذا بقي فعلياً من عيد المقاومة والتحرير؟ سؤالٌ تفرضه الوقائع الميدانية والسياسية الصادمة، بعدما تحول لبنان إلى ما هو عليه الآن بفعل السياسات والمغامرات العسكرية اللامتناهية التي لجأ إليها حزب الله.
لقد أعادت هذه الخيارات لبنان إلى مربع ما قبل التحرير عام 2000 على كافة الأصعدة السياسية، والاقتصادية، والإنسانية، والأخطر من ذلك كله، على الصعيد الميداني؛ إذ بات الاحتلال الإسرائيلي اليوم يسيطر بالنار والتوغل والتدمير الممنهج على مساحات شاسعة من الجنوب اللبناني، بعد أن كانت قد تحررت بالكامل وأضحت حقولاً للزيتون والبركة والحياة.
خطيئة الانقلاب على «الدولة» وإجهاض نصر عام 2000
كانت الخطيئة الاستراتيجية الكبرى التي ارتكبتها قيادة حزب الله بعد اندحار الاحتلال عام 2000، هي رفضها المطلق للانضواء تحت لواء الدولة اللبنانية وتسليم سلاحها للمؤسسات العسكرية الشرعية. بدلاً من تسييل ذلك الإنجاز الوطني التاريخي في مجرى بناء كيان دستوري قوي، وتثبيت انتصار الشعب اللبناني بأسره عبر تقوية الجيش اللبناني وبسط سيادته على كامل الحدود، اختار الحزب المحافظة على بنيته كـ«تنظيم مسلح مستقل» موازٍ للدولة بل وفوقها.
كانت الخطيئة الاستراتيجية الكبرى التي ارتكبتها قيادة حزب الله بعد اندحار الاحتلال عام 2000، هي رفضها المطلق للانضواء تحت لواء الدولة اللبنانية وتسليم سلاحها للمؤسسات العسكرية الشرعية.
تصرّف الحزب مع التحرير بوصفه «غنيمة فئوية وعقائدية» خاصة به، واستخدم فائض القوة الذي اكتسبه لا للاستقواء على العدو فحسب، بل لفرض أجندته السياسية بقوة السلاح على شركائه في الوطن. هذا الانفصال عن مفهوم الدولة غيّر طبيعة السلاح من أداة دفاعية أجمع عليها اللبنانيون في مرحلة التسعينيات، إلى أداة لترهيب الداخل، وتعطيل المؤسسات الدستورية، وفرض فراغ رئاسي وحكومي امتد لأكثر من سنة، وتحويل العاصمة بيروت والمناطق إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية، مما أفقد التحرير معناه الوطني الجامع وحوّله في وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين إلى بداية لنفق مظلم من الارتهان والانهيار.
رهن البلاد والعباد للحرس الثوري والإيراني
لم تكن سياسة الاحتفاظ بالسلاح نابعة من قراءة محلية لحماية الجنوب، بل كانت تنفيذاً دقيقاً لرهان استراتيجي يربط لبنان كليّاً بالمحور الإيراني وسياسته التوسعية في المنطقة.
على مدار عقود، استمر حزب الله في رهن البلاد والعباد لتوجهات «الحرس الثوري الإيراني»، معلناً بلسان قياداته أن تمويله، وتسليحه، ومأكله، ومشربه، وقراره السياسي والعسكري يأتي مباشرة من طهران.
تصرّف الحزب مع التحرير بوصفه «غنيمة فئوية وعقائدية» خاصة به، واستخدم فائض القوة الذي اكتسبه لا للاستقواء على العدو فحسب، بل لفرض أجندته السياسية بقوة السلاح على شركائه في الوطن. هذا الانفصال عن مفهوم الدولة غيّر طبيعة السلاح من أداة دفاعية أجمع عليها اللبنانيون في مرحلة التسعينيات، إلى أداة لترهيب الداخل، وتعطيل المؤسسات الدستورية
هذا الارتهان المطلق للمحور جعل من لبنان مجرد «ساحة بريد» تستخدمها إيران لتحسين شروط تفاوضها مع الغرب، أو لتخفيف الضغوط عن جبهاتها الأخرى. أُقحم لبنان في حروب ونزاعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل، من سوريا إلى اليمن والعراق، وصولاً إلى فتح جبهة الجنوب تحت مسمى «جبهة المساندة» في تشرين الأول 2023.
هذه المغامرة الأخيرة التي اتُخذ قرارها بشكل منفرد وخارج كنف الحكومة اللبنانية، صبّت الزيت على النار ووفرت الذريعة المثالية لآلة الحرب الإسرائيلية لتمارس أبشع أنواع التدمير والتهجير، مما يؤكد أن مصلحة المحور الإقليمي لدى الحزب تقدمت -وتتقدم دائماً- على دماء اللبنانيين، وأمنهم، ومستقبل أطفالهم.
العودة إلى ما قبل عام 2000.. خسارة الأرض والسيادة
المفارقة المؤلمة والمدمرة تجلت في أن السياسات التي اتبعها حزب الله تحت شعار «حماية الجنوب وردع العدو» أدت إلى النتيجة العكسية تماماً.
اليوم، ونحن على مسافة يومين من ذكرى التحرير، يرى اللبنانيون بأم العين كيف تلاشت معادلات الردع الخشبية أمام مشهد الاجتياحات الجوية والبرية، وعمليات النسف الممنهج لأحياء وقرى كاملة في الخط الأمامي من الحدود.
هذه المغامرة الأخيرة التي اتُخذ قرارها بشكل منفرد وخارج كنف الحكومة اللبنانية، صبّت الزيت على النار ووفرت الذريعة المثالية لآلة الحرب الإسرائيلية لتمارس أبشع أنواع التدمير والتهجير، مما يؤكد أن مصلحة المحور الإقليمي لدى الحزب تقدمت -وتتقدم دائماً- على دماء اللبنانيين، وأمنهم، ومستقبل أطفالهم
الجنوب الذي تحرر عام 2000 بجهد وتضحيات تراكمت على مدى ثمانية عشر عاماً، يقع أجزاء واسعة منه اليوم تحت وطأة السيطرة العسكرية النارية والاحتلال الإسرائيلي المباشر، وتحولت بلداته إلى أرض محروقة خالية من البشر والحجر.
لقد أفرغت مغامرات الحزب التحرير من مضمونه الجغرافي؛ فالأرض التي قيل إنها أصبحت آمنة بفضل «ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة» باتت اليوم مرتعاً للمسيرات والقذائف الفسفورية، وعاد الجنوبيون مجدداً إلى قسوة التهجير، والنزوح، والبحث عن سقف يحميهم في العاصمة والمناطق الأخرى، يعيشون تكراراً مشهاً مأساوياً ظنوا أنهم ودعوه إلى غير رجعة في أيار من ذلك العام الموعود.
الانهيار الشامل والتكلفة الإنسانية الباهظة
لا تقتصر العودة إلى ما قبل عام 2000 على الشق العسكري والميداني فحسب، بل تمتد لتشمل البنية التحتية والواقع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد. إن إصرار حزب الله على إبقاء لبنان في حالة حرب مستدامة عطل الدورة الاقتصادية، ودمر القطاعات الإنتاجية والسياحية، وعزل لبنان بالكامل عن محيطه العربي وعن المجتمع الدولي.
بات اللبناني اليوم يفتقد لأبسط مقومات الحياة الأساسية من كهرباء، وماء، وطبابة، وتعليم، وضمان اجتماعي، وهي خدمات كانت، على علاتها قبل عام 2000، أفضل بكثير مما هي عليه الآن في ظل دولة فاشلة ومفككة ومفلسة.
التكلفة الإنسانية لهذه المغامرات باتت فوق طاقة البشر، آلاف الشهداء والجرحى، مئات الآلاف من النازحين المشردين بلا مأوى ولا أفق، واقتصاد منهار يحتاج إلى عقود للتعافي. كل هذه الأثمان الباهظة تُدفع فقط من أجل بقاء سلاح الحزب كحجر زاوية في المشروع الإقليمي الإيراني، دون أي اعتبار للمصلحة الوطنية اللبنانية العليا.
الإنقاذ في العودة إلى الهوية والسيادة الوطنية
في محصلة القول، إن ذكرى المقاومة والتحرير تمر هذا العام كشاهد إدانة على مرحلة من الطيش السياسي والمغامرات العسكرية التي بددت إنجازاً وطنيّاً رصّعته دماء الشهداء الأبرار.
إن التحرير الحقيقي لا يمكن أن يستقيم أو يستمر في ظل غياب الدولة، أو عبر تحويل الوطن إلى صندوق بريد وصناعة مستدامة للموت والخراب.
التكلفة الإنسانية لهذه المغامرات باتت فوق طاقة البشر، آلاف الشهداء والجرحى، مئات الآلاف من النازحين المشردين بلا مأوى ولا أفق، واقتصاد منهار يحتاج إلى عقود للتعافي. كل هذه الأثمان الباهظة تُدفع فقط من أجل بقاء سلاح الحزب كحجر زاوية في المشروع الإقليمي الإيراني، دون أي اعتبار للمصلحة الوطنية اللبنانية العليا
الإنقاذ الحقيقي للبنان، وللطائفة الشيعية التي تدفع اليوم الثمن الأكبر من لحمها الحي وأرزاقها، يبدأ بالاعتراف الشجاع بأن منطق «الساحات المفتوحة» قد سقط ودمر البلاد.
إن حماية ما تبقى من هذا الوطن تتطلب العودة الفورية وغير المشروطة إلى مظلة الدولة اللبنانية، وتسليم القرار الاستراتيجي كاملاً لمؤسساتها الشرعية، والتمسك بالجيش اللبناني كقوة وحيدة حصرية مخولة بحمل السلاح والدفاع عن الحدود وتطبيق القرارات الدولية. دون هذه المراجعة الجذرية، ستبقى ذكرى الخامس والعشرين من أيار مجرد بكاء على أطلال نصر قديم، صُنع بدموع الأمهات وصبر الشرفاء، وأُجهض على مذبح المصالح الخارجية والمحاور الإقليمية.

