يرزح الداخل اللبناني تحت وطأة تحولات جذرية غير مسبوقة في نظرته إلى ملفات الصراع والخيارات السياسية الكبرى، لاسيما بعد سنوات قاسية من الحروب المتتالية والنزاعات المتراكمة التي انخرط فيها «حزب الله»، بدءاً من حرب إسناد غزة عام 2023 وصولاً إلى جولة إسناد إيران في عام 2025.
وأمام اتساع رقعة الدمار، وجرف القرى الحدودية، وموجات النزوح والتهجير الواسعة، بدأت تتبلور في الشارع اللبناني مراجعات عميقة للرهانات السابقة، ما دفع بشرائح واسعة من المواطنين نحو تأييد مسارات التفاوض مع إسرائيل بحثاً عن استقرار دائم وسلام منشود ينقذ البلاد من دوامة الانهيار.

وفي قراءة تحليلية دقيقة لأحدث استطلاعات الرأي الصادرة عن «الشركة الدولية للمعلومات»، قدّم رئيس الشركة الأستاذ جواد عدره قراءة رقمية واجتماعية تعكس هذا الانقلاب في مزاج الرأي العام اللبناني، مفصلاً ركائزه على النحو التالي:
1. قفزة قياسية في نسب تأييد السلام والتطبيع
توقف جواد عدره عند مؤشر شديد الدلالة يوضح الفارق الشاسع بين نتائج الاستطلاع الحالي ونتائج استطلاع سابق جرى في آب (أغسطس) 2025. ففي غضون أقل من عام واحد، سجلت الأرقام القفزات التالية:
- اتفاقية السلام: قفزت نسبة اللبنانيين المؤيدين لعقد اتفاق سلام مع إسرائيل من 25% إلى نحو 49%.
- التطبيع: ارتفعت نسبة المؤيدين لخطوة التطبيع الكامل من 13.2% إلى أكثر من 30%.
ويطرح عدره بناءً على هذه الطفرة الرقمية سؤالاً جوهرياً حول بيولوجيا المجتمعات: «هل تتغير القناعات السياسية للمجتمعات فعلاً نتيجة التوعية، أم أن المجتمعات المنهكة والمستنزفة تصبح غريزياً أكثر استعداداً لتبني خيارات قاسية كانت ترفضها بشكل قاطع في السابق؟».
صراع الأجيال: البراغماتية للمسنين والمبدئية للشباب
خلافاً للمقاربات التقليدية التي تقرأ لبنان من زاوية طائفية بحتة، دعا عدره إلى تفكيك النتائج وفقاً لـ«صراع الأجيال والعمر»، حيث أظهر الاستطلاع مفارقة لافتة:
- الفئات الشابة والأصغر سناً: أبدت معارضة هي الأعلى والأكثر حدة تجاه فكرة التفاوض، أو التطبيع، أو افتتاح سفارة إسرائيلية في بيروت.
- الفئات المتقدمة في السن: ارتفعت نسب قبول التسويات تدريجياً مع التقدم في العمر، لتبلغ ذروتها المطلقة لدى الشريحة التي تجاوزت السبعين عاماً.

ويفسر التحليل هذا التباين بطرح احتمالين؛ إما أن ذاكرة الحروب الطويلة تدفع كبار السن نحو الواقعية والبراغماتية تجنباً لمزيد من الدماء، أو أن الشباب اللبناني — الذي يشعر أصلاً بفقدان تام للمستقبل والأفق الاقتصادي — يرفض تقديم تنازلات يراها تمس بالسيادة أو بالمنظومة الأخلاقية والمبدئية.
بورصة المسؤولية عن التصعيد الإقليمي
رداً على سؤال المستطلعين حول: «برأيك، من يتحمل المسؤولية الأكبر عن التصعيد الحالي في لبنان؟»، تقاسمت إسرائيل و«حزب الله» صدارة الاتهام بنسب متطابقة تكاد لا تذكر بالفارق:
- إسرائيل: حُمّلت المسؤولية بنسبة 32.9%.
- حزب الله: حُمّل المسؤولية بنسبة 32.8%.
- خيارات أخرى: تراجعت بقية الجهات بشكل ملحوظ؛ حيث صوّت 12.1% لخيار «الجميع يتحمل المسؤولية»، بينما نالت إيران نسبة 8.8%، والولايات المتحدة الأميركية نسبة 8.1%.
وعند تفصيل هذه الأرقام مذهبياً وطائفياً، يبرز شرخ عامودي حاد:
- المسيحيون والدروز: حمّلوا «حزب الله» المسؤولية الأولى عن الانهيار والتصعيد بنسبة تتراوح بين 50% و61%.
- الشيعة: حمّلوا إسرائيل المسؤولية بنسبة 57.7%، في حين سجلت نسبة تحميل «حزب الله» المسؤولية بينهم 0% (لم يحمّله أحد المسؤولية).
- السنة: انقسم الشارع السني بتوازن نسبي بين تحميل المسؤولية لـ«حزب الله» بنسبة 39.1% وبين تحميلها لإسرائيل بنسبة 33%.
خيار التفاوض المباشر والانعطافة الأرثوذكسية
أظهر الاستطلاع انقساماً حاداً حيال سؤال: «ما هو موقفك من التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل؟»؛ إذ عبّر 21.9% عن تأييدهم الشديد، و27.1% عن تأييدهم الجزئي، ما يعني أن قرابة 49% من الرأي العام يميلون إلى دعم مبدأ التفاوض المباشر بدرجات متفاوتة.
وطائفياً، حصد هذا الخيار أعلى مستويات الدعم لدى البيئات التالية:
- الموارنة: بنسبة تأييد إجمالية بلغت 78% (36.2% بشدة، و41.8% إلى حد ما).
- الدروز: بنسبة تأييد بلغت 72% (50.9% بشدة، و21.1% إلى حد ما).
- الروم الأرثوذكس: بنسبة تأييد بلغت 73.6% (37.5% بشدة، و36.1% إلى حد ما).
ويتوقف المراقبون السياسيون ملياً عند التحول الجذري العاصف داخل الطائفة الأرثوذكسية، التي عُرفت تاريخياً وفكرياً بمناصرتها اللصيقة للقضية الفلسطينية والقضايا العربية القومية، مما يعكس عمق الصدمة والإنهاك الذي أصاب البيئات اللبنانية كافة دون استثناء.
ردة الفعل الشعبية على توقيع اتفاقية سلام رسمية
في استشراف لردود الفعل الشعبية في حال أقدم رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية على خطوة توقيع اتفاقية سلام رسمية مع إسرائيل، انقسم الشارع إلى كتلتين متوازنتين تقريباً:
- كتلة القبول والدعم: يميل نحو نصف اللبنانيين (48.9%) إلى قبول هذه الاتفاقية؛ حيث أبدى 23% تأييداً مطلقاً وشديداً، و25.9% تأييداً مشروطاً أو جزئياً.
- كتلة الرفض والمعارضة: عارض الفكرة 46% من المستطلعين؛ توزعت بين 34.4% عارضوها بشدة مطلقة، و11.6% عارضوها إلى حدٍ ما.
- الكتلة الرمادية: بلغت فئة المحايدين 4.5%، في حين لم تتجاوز نسبة الممتنعين عن الإجابة وإبداء الرأي عتبة الـ 0.6%.

