حمزة حمود وزياد: مقاومان لتحرير الأرض

المقاومة الوطنية

ذكرتني مبادرة حمزة حمود إبن الجنوب وبلدة مركبا الحدودية بالتحديد (2001 – 2026)، والنازح الى حي بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت ومغادرته لمقاتلة العدو الإسرائيلي، بمبادرة مشابهة قام بها مناضل مقاتل آخر في زمن مغاير من أيام الإحتلال وتحديداً في الإجتياح الكبير للبنان وبيروت في حزيران 1982.

حمزة لم يكن مقاتلاً في المقاومة، بل كان شاباً عادياً، إبن عائلة جنوبية عرفت الإحتلال جيداً منذ العام 1978 على الأقل، وخرج إثر ذلك الى الضاحية الشموس حين أنجب الوالد طفله حمزة. ومع أن حمزة لم يخبر الإحتلال بنفسه إلا أنه خبر نقيضه، المقاومة وعملياتها، وما تفرضه من حالة رفض، تصبح مع مرور الزمن والتجارب حالة عامة يعيشها الشعب ومجتمع المقاومة.

ويبدو أنه لم يحتج في رحلته الأخيرة، سوى الى الشعور الغامر بالغضب والمهانة ورفض الإحتلال والذل، ليمتشق سلاحه، مهما كان، وفي حالته لم يكن سوى مسدس وسكين، ويخرج على دراجته النارية في بئر العبد الى أقصى الجنوب، وعبَر عن غضبه مما شاهد من إحتلال وعن قراره الإنتقام مدركاً أن آخر الطريق هو الإستشهاد. ونزل الى أحد الأودية فنام فيها ورصد خلالها كيفية الإنتقال الى الأراضي المحتلة، حيث واجه العدو وإشتبك معه، في مستوطنة حدودية بسلاحه الفردي حتى إستشهد.

وتفتح قصة حمزة نافذة جديدة على شكل مقاومة الإحتلال وطول أمده على شباب، لا ينتمون بالضرورة الى حركات وتنظيمات مقاومة، الى البحث عن طرق وأساليب لطرد المحتل. وإذا كان حمزة اليوم وحده في هذا المسار لتحويله الى حرب داخل الكيان الغاصب ومستوطناته، فإن التجارب التاريخية والمدنية المحلية والعالمية من آسيا الى أفريقيا وأميركا اللاتينية تؤكد أن هذا النوع من المسارات يبدأ بحالة فردية ثم ما يلبث أن يتحول ويكبر ككرة الثلج التي كلما سارت ودارت كبرت وتراكمت، لتتكثف في حرب شعبية مقاومة.

الحالة المشابهة في رفض الإحتلال كمبادرة غير تنظيمية حركية، قام بها مقاوم صيداوي مجهول إلا من قلة لا تتجاوز عدد الأصابع ولنفترض أن إسمه زياد. كانت المقاومة في حزيران من العام 1982 قد بدأت بقرار تنظيمي وقعه قادة من الأحزاب الوطنية.

غير أن هذا القرار الذي برز في العاصمة بيروت ونفذ ببطولة ضد صهاينة إستباحو شوارعها، لم يتحول الى حالة منتشرة في جنوب لبنان وبقاعه الغربي، بل أن هذا الإنتشار إحتاج الى وقت بلغ أشهراً كي يصبح حالة شعبية محضة من إرادات الناس. يومها، وبعد أشهر من رؤية زياد الصيداوي لجنوب الإحتلال الإسرائيلي وهم يدنسون مدينته ويجلسون على كراسي مريحة في شوارع المدينة ومقاهيها غير مبالين بأن أحداً سيقاومهم، قرر المبادرة وعزم على التصدي لهم. وفي مساء عيد اللأضحى جهز في منزله منفرداً داخل المدينة القديمة طعاماً له، وذلك في بئر للماء ليتمكن عبره من الإختباء فيه لأيام إذا إحتاج الأمر.

وتمنطق بسلاح الأر بي جي – الحربي وخرج الى مدخل المدينة الجنوبي (بوابة الفوقا) وبدأ بإطلاق القذائف النارية على الجنود الصهاينة وآلياتهم، لينتقل بسرعة في الشارع الرئيسي مطلقاً النار في مكانين وصولاً الى ساحة النجمة ليكمل إفراغ ذخيرته وليفر بعدها الى مخبئه في البئر ولم يخرج إلا بعد أيام.

هكذا، وعلى هذا النحو المداهم لم يعد الصهاينة يجلسون وهم مرتاحون لوضعهم، وبدأت المقاومة الشعبية تنتشر وتتوسع لتطال مجمل الساحل من النهر الأولي حتى الناقورة في آخر الجنوب إمتداداً الى البقاع الغربي.

دروس المقاومة خلاقة ومتنوعة، من زياد الى حمزة، وأهميتها أنها شاملة بنماذجها لكل الشعوب الطواقة للتحرير والإستقلال ورفض الهيمنة مهما إرتدت من أشكال.

هي تبدأ منظمة وغير منظمة بقرارات وبدونها. وتخبرنا تجارب مرت بها شعوب مختلفة، كما حدث زمن الحرب العالمية الثانية في أوروبا ضد النازية الألمانية، عن مئات الشواهد لنضالات قم بها مجهولون ضد المحتل النازي. وأبرز هذه النضالات ما نفذه مقاومون فرنسيون لجعل إقامة المحتل النازي صعبة وإخراجه من البلاد ليخرج بعدها ذليلاً مدحوراً.

السابق
بالفيديو: غارة مفاجئة تستهدف منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية