صور ليست مجرد مدينة جنوبية لبنانية، بل واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، والمدينة التي ساهمت في تشكيل عالم المتوسط كله. لعبت دوراً محورياً في الحضارة الفينيقية، وكانت مركزاً بحرياً وتجارياً استثنائياً. وشكلت قوة بحرية سيطرت على التجارة في المتوسط؛ فلقد انطلقت منها السفن نحو البحر، حاملةً الأبجدية والتجارة والثقافة. ما سمح لأهل صور بتأسيس مستعمرات بحرية، أهمها قرطاج، التي أصبحت لاحقاً قوة كبرى وقفت في مواجهة روما وكادت أن تغيّر مسار التاريخ.
أهالي صور قدّموا للعالم الأرجوان الملكي، وهو رمز للسلطة في العصور القديمة.
لقد كانت احدى أعظم مدن الفينيقيين، وهي مهد الأبجدية الفينيقية التي جعلت الحضارة كما نعرفها الآن ممكنة، وأثرت في كل لغات العالم تقريباً.
إن هذه المدينة الصغيرة على الساحل اللبناني لم تكن هامشاً في التاريخ – بل كانت أحد صانعيه. وحين جاء الإسكندر الأكبر، لم تسقط صور؛ قاومت، وأجبرت أعظم جيوش عصرها على إعادة رسم الجغرافيا نفسها للوصول إليها. بقيت على الدوام رمزاً لمدينة لا تُخضع بسهولة.
منذ ذلك الحين، لم تكن صور مجرد مدينة… بل فكرة:
أن المكان يمكن أن يصمد، وأن البحر يمكن أن يكون حصناً، وأن الإرادة يمكن أن تؤجل الهزيمة.
ثم جاءت العصور الرومانية والبيزنطية، فكانت صور مركزاً للحياة، لا للخراب:
مدرجاتها، شوارعها، كنائسها، ومرافئها لم تكن آثاراً جامدة، بل استمراراً لدورها كمدينة تنتج الحضارة، لا تستهلكها.
ثم أصبحت مركزاً مهماً في الإمبراطورية الرومانية، فيها أكبر مضمار سباق (هيبودروم) في العالم القديم وشوارع مرصوفة وأقواس نصر، كما تحولت إلى مركز مسيحي مبكر. تضم أحياء مسيحية تاريخية وكنائس قديمة، وهي جزء من التراث العالمي لليونسكو. إن أي ضرر يتسبب به التوحش الاسرائيلي هو خسارة عالمية وليس فقط لبنانية.
صور كانت دائماً مدينة مقاومة بطبيعتها الجغرافية والتاريخية
صور كانت دائماً مدينة مقاومة بطبيعتها الجغرافية والتاريخية، لا فقط بالمعنى العسكري، بل أيضاً بمعنى الصمود الثقافي والانفتاح التجاري.
وصور الحديثة التي لديها أحد أجمل الشواطئ الرملية، قاومت محاولات تشويه ثقافتها، كي تصبح اليوم مدينة بحر، سباحة، سهر، ثقافة،
نموذج للتنوع اللبناني. عاشت سابقاً فترات مقاومة للاحتلال الإسرائيلي.
تتعرض الآن لتصعيد مستمر واستهداف مباشر لها ولمحيطها. سبق هذا التصعيد أوامر إخلاء لسكان المدينة، تلتها ضربات جوية مباشرة داخل نطاقها.
فماذا وراء هذا التدمير الممنهج؟ هل الهدف محو التاريخ؟ هل تنتقم إسرائيل من لبنان التاريخي والحضاري، لأنها تفتقر الى تاريخ مماثل فتستولي على تراثنا، فلسطينيين ولبنانيين وسوريين!!
حالياً اهم ما تبرع به إسرائيل، التدمير والعنف؟
هل تريد من الصراع الحالي الدفع نحو نزع الشرعية والهوية عن الآخر؟
هل هذا سلوك من يريد السلام حقاً؟ أليس في كل ذلك ما يزيد الاحتقان ويستدعي الكراهية والحقد!!
بكلمات واضحة: حتى في الحروب، هناك قواعد – وعندما تُنتهك، يصبح الأمر موضع مساءلة ومحاكمة، لا مجرد “أمر واقع”، يفرضه العنف والتدمير.
عندما تُستهدف مدينة مثل صور بذريعة وجود مقاتلين، فإن السؤال لا يكون عسكرياً فقط، بل حضارياً:
هل يجوز أن تُمحى طبقات التاريخ لأن الحاضر فشل في إدارة صراعاته؟
هل تصبح المدن القديمة رهائن في معادلات القوة؟
وهل يمكن تبرير تحويل موقع تراث إنساني إلى ساحة مفتوحة للنار؟
القضية هنا ليست دفاعاً عاطفياً عن مدينة، بل مواجهة منطق خطير:
منطق يعتبر أن القوة تمنح الحق في إعادة كتابة الجغرافيا – ولو على حساب الذاكرة البشرية.

