لبنان على حافة الانفجار: هدنة معلّقة بين حسابات حزب الله ورهانات نتنياهو

في لحظة كان يُفترض أن تتجه فيها الجبهة اللبنانية نحو تثبيت هدنة أعلنها دونالد ترامب، انفجر الميدان مجددًا على وقع غارات إسرائيلية وإنذارات عاجلة بإخلاء عدد واسع من القرى الجنوبية. لم يكن هذا التصعيد تفصيلًا عابرًا، بل جاء ليؤكد أن “وقف إطلاق النار” لا يزال هشًّا، بل أقرب إلى عنوان سياسي منه إلى واقع ميداني قابل للصمود.

التحذيرات الإسرائيلية لسكان بلدات مثل تبنين وشقرا وعيتا الجبل وصولا الى ديركيفا وسلعا في منطقة صور، ترافقت مع بدء غارات فعلية، ما يعكس انتقالًا سريعًا من لغة الردع إلى التنفيذ، في مشهد يوحي بأن قواعد الاشتباك السابقة لم تعد قائمة، وأن الجنوب يدخل مرحلة أكثر خطورة.

حزب الله: مصلحة في خلط الأوراق

في قراءة سلوك حزب الله، يبدو أن الحزب لا يتعامل مع الهدنة كفرصة بقدر ما يراها تهديدًا استراتيجيًا. فالتهدئة، في هذا التوقيت تحديدًا، تعني عمليًا سحب الذريعة التي تبرّر بقاء سلاحه خارج إطار الدولة، وتضعه أمام استحقاق داخلي صعب يتعلق بدوره ووظيفته.

من هنا، يصبح خرق الهدنة أو إبقاؤها في حالة اهتزاز دائم جزءًا من استراتيجية أوسع، على رأسها الحفاظ على مناخ “الاشتباك المفتوح” الذي يتيح للحزب البقاء لاعبًا إقليميًا لا مجرد فصيل محلي. كما أن أي تهدئة مستقرة قد تعني فتح باب ضغوط دولية جدية لنزع سلاحه أو ضبطه، وهو ما يسعى لتفاديه.

إلى جانب ذلك، يرتبط قرار الحزب بسياق إقليمي أوسع، حيث تشكّل الساحة اللبنانية ورقة ضغط ضمن التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران. وبالتالي، فإن إبقاء الجبهة مشتعلة يرفع منسوب أوراق القوة الإيرانية على طاولة المفاوضات.

نتنياهو: الحرب كخيار سياسي

في المقابل، لا يبدو أن بنيامين نتنياهو متحمّس فعليًا لتثبيت وقف إطلاق النار، رغم إعلانه العلني الالتزام به. فالرجل الذي يواجه أزمات داخلية معقّدة، يدرك أن استمرار الحرب يمنحه هامشًا سياسيًا أوسع، ويؤجّل استحقاقات داخلية قد تكون مكلفة.

تصريحاته لترامب، والتي شدد فيها على أن عدم الرد على حزب الله يشجّعه على التمادي، تكشف بوضوح عن رغبة في إبقاء سقف التوتر مرتفعًا، ولكن ضمن حدود “محسوبة”. بمعنى آخر، يريد نتنياهو حربًا مضبوطة الإيقاع: لا تنزلق إلى مواجهة شاملة، لكنها أيضًا لا تتوقف.

هذا النوع من الحروب يخدم أهدافًا متعددة: استنزاف حزب الله، تثبيت وقائع ميدانية جديدة في الجنوب، وربما الدفع نحو منطقة عازلة أوسع، من دون تحمّل كلفة حرب كبرى.

بين واشنطن وتل أبيب: تباين في الإيقاع

اللافت في هذا المشهد هو التباين بين المقاربة الأميركية والإسرائيلية. فبينما تدفع واشنطن نحو تهدئة تُبقي الباب مفتوحًا أمام تسويات أوسع، تميل تل أبيب إلى استخدام الميدان لتحسين شروطها التفاوضية.

طلب ترامب أن يكون الرد الإسرائيلي “محسوبًا ومحدودًا” يعكس خشية أميركية من انفلات الوضع، لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن هامش “المحدود” يتوسع تدريجيًا، ما يهدد بانهيار كامل للهدنة.

اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر أنّ “حزب الله جرّ لبنان إلى حرب من أجل المصالح الإيرانية وهو يحتل لبنان ويقوّض سيادته ويعرّض مواطنيه للأذى”.

وقال: إذا تم تفكيك البنى التحتية لحزب الله بجنوب لبنان فلن تكون هناك ضرورة لوجودنا العسكري فيه.

هدنة على حافة السقوط

في المحصلة، لا تبدو الهدنة الحالية أكثر من استراحة قصيرة في مسار تصعيدي مستمر. حزب الله لا يريدها أن تستقر، ونتنياهو لا يريدها أن تُقيّده. وبين هذين الخيارين، يبقى الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ما يجري اليوم ليس مجرد خروقات متبادلة، بل صراع على شكل المرحلة المقبلة: إما تثبيت قواعد اشتباك جديدة تُكرّس واقعًا مختلفًا في الجنوب، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم ملامح الصراع بالكامل.

السابق
توقيف تلميذ في «الشويفات ناشونال كولدج» بعد تواصله مع أدرعي والإبلاغ عن أسلحة مزعومة
التالي
إسرائيل تصعّد سياسيًا: لا طموحات للتوسع وعملياتنا في لبنان «دفاعية»