أطلّ رئيس مجلس النواب نبيه بري في مواقف منشورة له الثلاثاء، هدّد فيها باللجوء إلى خيار المقاومة ردًا على شروع إسرائيل بتثبيت الخط الأصفر الذي رسمته أخيرًا في الجنوب. وأتى هذا التهديد من الرئيس بري متزامنًا مع تهديد مماثل أطلقه النائب في كتلة “حزب الله” حسن فضل الله. وكان لافتًا أن موقف بري جاء بعد محادثات أجراها مع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، الذي عاد لتوّه من واشنطن حيث شارك في الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة اللبنانية-الإسرائيلية برعاية وحضور وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو. علمًا أن الجولة الثانية من هذه المفاوضات ستنطلق الخميس من الأسبوع الحالي. فهل تؤشر هذه المواقف والتحركات إلى أن لبنان سيتأرجح من الآن فصاعدًا فوق حبال المفاوضات والمقاومة معًا؟
تصعيد ميداني يواكب التهديدات السياسية
تشير الوقائع المتسارعة في لبنان والمنطقة إلى أن كل الاحتمالات واردة، ولا بد من التزام الحيطة والحذر في إطلاق الأحكام. وهنا، وصبيحة إطلالة الرئيس بري بخيار المقاومة، كانت الأنباء الواردة من إسرائيل، فيما يتصل بجنوب لبنان، توصد الأبواب أمام احتمال توقف إسرائيل عن المضي في مخطط إنشاء المنطقة الأمنية التي تماثل تلك التي أقامتها سابقًا في قطاع غزة، ورسمت حدودها أيضًا بخط أصفر. فقد أقدم الجيش الإسرائيلي فجر الثلاثاء على أعمال تفجير في بنت جبيل والخيام، حيث اختفت مهنية الخيام الرسمية التي تقع على المدخل الجنوبي للبلدة بعدما أقدم الجيش الإسرائيلي المتوغّل في البلدة على تفخيخها وتفجيرها. كما أقدم الجيش الإسرائيلي على تفجير عدد من المباني وتدميرها في حي المسلخ في مدينة بنت جبيل، وقامت الآليات الإسرائيلية بأعمال التجريف والهدم. كذلك، عمدت القوات الإسرائيلية إلى تفجير مجمع الإمام الصدر الرياضي في مدينة ميس الجبل عند منتصف ليل الاثنين – الثلاثاء، بعدما كانت قد أقدمت على إحراق سيارات إسعاف جمعية الرسالة هناك.
في موازاة ذلك، أكّد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس مجددًا الثلاثاء أن إسرائيل “تعتزم نزع سلاح حزب الله في لبنان بوسائل عسكرية وديبلوماسية”، بحسب وكالة “فرانس برس”. وقال: “إن الهدف الاستراتيجي للحملة في لبنان هو نزع سلاح حزب الله من خلال مزيج من الإجراءات العسكرية والديبلوماسية”.
عودة إلى ما قبل عام 2000؟
وسط هذا الانتقال المريع في أحوال الجنوب، الذي استعاد في أيار 2000 كامل أراضيه المحتلة بموجب قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 425 الصادر عام 1978، لكنه منذ الأحد الماضي عاد وفقد ما استعاده من أراضٍ بعدما قررت إسرائيل إقامة منطقة أمنية استعادت فيها معالم الحزام الأمني الذي ثبتته بعد غزوها الشامل للبنان عام 1982.
أكّد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس مجددًا الثلاثاء أن إسرائيل “تعتزم نزع سلاح حزب الله في لبنان بوسائل عسكرية وديبلوماسية”،
سيكون هناك الكثير من الوقت للخوض في موضوع “المقاومة” التي هدّد بها بري مجددًا، والذي بدا وكأنه يستعيد تجربة المقاومة التي واكبت الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد عام 2000 في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك. لكن اليوم، يمكن الاكتفاء بالقول إن رئيس حركة “أمل”، أي بري نفسه، خرج من ساحة المقاومة في نهاية ثمانينات القرن الماضي بعد المواجهات الدامية بين حركته وبين “حزب الله”، بموجب صفقة بين النظام السوري في زمن الرئيس حافظ الأسد وبين النظام الإيراني في زمن المرشد السابق علي خامنئي. وكانت حصة بري بموجب هذه الصفقة “دنيا” مغانم السلطة التي راح يتسلق بسرعة سلمها بدءًا من إبرام اتفاق الطائف عام 1989، فكان أن وصل إلى رئاسة البرلمان عام 1992، وما زال قابِعًا فيها منذ 34 عامًا. أما حصة “حزب الله” فكانت “الآخرة” في هذه الصفقة، أي أنه الطرف الذي أوكل إليه حصريًا حمل سلاح المقاومة بعدما جرى تصفية كل أركانها في الأحزاب العلمانية التي انخرطت في العمل المسلح مبكرًا منذ أن كانت المقاومة الفلسطينية ناشطة في لبنان منذ إبرام اتفاقية القاهرة عام 1969.
سيكون هناك الكثير من الوقت للخوض في موضوع “المقاومة” التي هدّد بها بري مجددًا، والذي بدا وكأنه يستعيد تجربة المقاومة التي واكبت الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد عام 2000
خلاصة المشهد بين زمنين منتهيين
تفيد معطيات الوضع الراهن أن لبنان ماضٍ في اتجاه جديد، هو مزيج من مرحلة ما قبل العام 2000 عندما كان الجنوب يرزح تحت الاحتلال الإسرائيلي، ومرحلة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل التي انطلق قطارها الكبير في زمن الرئيس المصري الراحل أنور السادات في نهاية سبعينيات القرن الماضي. لكن يمكن القول منذ الآن إن زمن المقاومة قبل العام 2000 لم يعد له أي أثر في لبنان والمنطقة والعالم، كما أن زمن المفاوضات التي انطلقت في سبعينيات القرن الماضي دخل التاريخ، لكنه خرج من عالم الواقع.
لن يكون أمام بري العمر الكافي لكي تتحقق في حياته عودة المقاومة التي غابت عنه أصلًا منذ أكثر من 46 عامًا. كما أنه لن يكون أمام “حزب الله” الانطلاق مجددًا في مقاومة أرستها صفقة بين حافظ الأسد وعلي خامنئي منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، بعدما زوال الأسد وخامنئي واختفاء نظام الأول وبدء رحيل نظام الثاني.
وعند إنجاز هذا التقرير، أوردت “رويترز” الآتي: “قال الجيش الإسرائيلي اليوم الثلاثاء إن جماعة حزب الله اللبنانية المدعومة من إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه قواته التي تعمل في جنوب لبنان، في ما وصفه بأنه “انتهاك صارخ” لاتفاق وقف إطلاق النار. وأضاف أن صفارات الإنذار التي دوت في بلدات بشمال إسرائيل يُرجّح أنها انطلقت بسبب اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان قبل أن تعبر إلى داخل إسرائيل، وذلك تصحيحًا لتقرير سابق أشار إلى احتمال حدوث خطأ في التقدير. ولم يصدر حزب الله تعليقًا بعد”.
إنها، على ما يبدو، المقاومة التي يلوّح بها بري والحزب.

