ضميران لوطنٍ واحد…

ليست المرة الأولى التي يجد فيها اللبنانيون أنفسهم منقسمين بين “هم” و”نحن”. إذ يبدو أن هذا الوطن بُني على هذا الانقسام، ووصل إلى حافة هاوية أكثر من مرة، واحترق في أتونه مرارًا، ثم انبعث مرارًا في أسطورة طائر الفينيق.

من دون تحديد واضح لمن يمثّل ضمير الغائب، فهو نسبي بالنسبة للمتكلم، وتعريفه رهينة موقع ضمير المتكلم. انقسمت هذه الضمائر في إشارة إلى المسيحيين والمسلمين خلال الحرب الأهلية التي تصادف ذكرى وقوعها اليوم. وكان الضميران أيضًا إشارة إلى الخطّين بين اليمين اللبناني ويساره المتحالف مع الحركات التحررية، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية، ومن بعدها بات الانقسام بين حلفاء سوريا وأعدائها في الداخل.

انقسامات داخل الانقسام

ولم يقتصر هذا الانقسام على شرق وغرب العاصمة بيروت، في بلد لا تتعدى مساحته 10452 كلم مربع، بل تمدّد داخل البيئات الواحدة وتفكّك في داخلها، فنحن وهم باتت تنقسم بحسب المعركة: قد تكون بين مسيحيين ودروز، أو دروز ومسلمين، أو سنّة وشيعة، أو حتى بين المسيحيين أنفسهم كالتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، وتلبس ثوب الشيعة كحرب الإخوة بين حزب الله وحركة أمل، التي بدأ أثرها مع صعود حزب الله الممنهج في داخل لبنان.

ورغم إعلان الثنائية الشيعية، التي تسلّلت كالعرف إلى أروقة الطائفة، وباتت وحدة الحال هي المفروضة على كل من وُلد شيعيًا، إلا أن الانقسام لم يُلغَ بل انخفض صوته، ففي أروقة المنازل، وفي الصوت الخافت، يبقى أحد الفريقين “هم” والآخر “نحن”.

في ذكرى الحرب الأهلية، يقف لبنان في حرب جديدة ضد العدو الإسرائيلي الغاشم، حرب بطابع إقليمي جُرّ إليها البلد العاجز، المثخن بجراح الفساد الاقتصادي والسياسي، ومنظومة سياسية عفنة، وانفجار بقوة انفجار نووي، وحرب مدمية لم تكن آثارها قد رُفعت حتى أُلحقت بحرب ثانية.

ولم يقتصر هذا الانقسام على شرق وغرب العاصمة بيروت، في بلد لا تتعدى مساحته 10452 كلم مربع، بل تمدّد داخل البيئات الواحدة وتفكّك في داخلها،

بين المقاومة ووقف إطلاق النار

يبدو اليوم الحياد، الذي سخر منه اللبنانيون قبل سنوات قليلة، خيارًا مستحيلًا، إذ ضاقت الخيارات إلى حدّ الاصطفاف القسري، فالاصطفافات جعلت الخيارين المتاحين أمام اللبنانيين: إما مع مقاومة العدوان أو مع خيار وقف إطلاق النار.

وهنا يجري تبديل “نحن” و”هم” بمقاوم وعميل، فئتان تبدوان واضحتين بالنسبة لقارئ غير لبناني، قبل أن يتفاجأ أنه حتى في المقاومة هناك “نحن”، الذين ينادون بالمقاومة من أجل قيام الدولة الحقيقية السيدة الحرة المستقلة بسلاح شرعي، و”هم” التي قد ترتدي ثوب “نحن” بحسب الجهة المتكلمة.

وكما في المقاومة، كذلك في العمالة: لا تعريف ثابت، بل توصيف يتبدّل بتبدّل موقع المتكلم، تمامًا كما ينسحب الأمر على العميل، الذي يمكن أن يكون عميلًا لإسرائيل كونه مع مفاوضات لوقف إطلاق النار، أو عميلًا لإيران كونه ضد مفاوضات مع عدو قصف ويقصف العمق الإيراني.

يجري تبديل “نحن” و”هم” بمقاوم وعميل، فئتان تبدوان واضحتين بالنسبة لقارئ غير لبناني، قبل أن يتفاجأ أنه حتى في المقاومة هناك “نحن”، الذين ينادون بالمقاومة من أجل قيام الدولة الحقيقية

لا غالب ولا مغلوب… معادلة مأزومة

الهوة بين الضمير الغائب والمتكلم واسعة ويصعب رتقها، وهي ليست المرة الأولى التي يُدفع بها لبنان إلى هذه الدرجة، بل في كل مرة يُعاد إنتاج الانقسام بصيغة جديدة، وفي كل مرة ينتهي الأمر على قاعدة لا غالب ولا مغلوب.

قاعدة لم تعد عملية لأي لبناني يحلم باستقرار نسبي لحياة كريمة، فيبقى ضحية خطابات شعبوية، في معادلة تُلغي المساحة بينهما وتختصر الوطن إلى جبهتين، على قاعدة “عين تقاوم المخرز”، و”من ليس معنا فهو ضدنا”… وأن الكلام للميدان!

السابق
منخفض جوي ينهي الكتل الدافئة في لبنان بدءاً من ظهر الجمعة
التالي
إيران وأتباعها وممارسات النازية الجديدة