المفاوضات المباشرة: حدث تاريخي بإمكانات مفتوحة

وجيه قانصو

بدأت المفاوضات المباشرة رسمياً بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية. هذا الحدث ليس جديداً، فهو أمر حصل سابقاً في العام 1984 إثر الاجتياح الإسرائيلي لإنهاء السلاح الفلسطيني، والعام 1993 في سياق مؤتمر السلام الشامل بين العرب وإسرائيل. بهذا المعنى هو ليس سابقة أولى، ولا توجد نصوص دستورية أو قانونية تمنعه، بل يندرج بحسب الدستور ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية في تقدير الوسائل والآليات في “عقد المعاهدات الدولية وإيبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة”.

جديد الحدث هو أن الدولة انتزعت زمام المبادرة من حزب الله، الذي عودنا أن يشن حرباً على إسرائيل، ثم ينشيء قناة تفاوض خاصة به لإنهاء الحرب يكون هو مرجعيتها وصاحب القول الفصل فيها،  مع حصر موضوع التفاوض بمصير سلاحه، ويختزل مصالح اللبنانيين ومصائرهم بما يضمن بقاءه وقوته الذاتية. بل تجده يتباهى بانتصارات ملفقة فوق أنقاض الدمار وجثث الضحايا التي تسببت بها الحرب، مع استخفاف مؤذ لآلام الناس وجراحاتهم والتهجير المهين الذي يلحق بهم. كل ذلك لغرض احتفاظ حزب الله بحق قرار الحرب والسلم الحصري في لبنان. فالحزب يحرص لا على أن يملك كامل الحرية في فتح الجبهات فحسب، وإنما على أن يملك القول الأخير في أي تفاوض، لتكون نتائج المفاوضات على قياسه ومنسجمة مع مقاصده الخفية وأجندته غير المعلنة.

أهمية حدث التفاوض الذي حصل في واشنطن، ليس في كسر تابو التواصل المباشر مع الإسرائيلي، وإنما في ترسيخ معادلة جديدة، تصب في مسعى الدولة استعادة سيادتها المنتقصة من سلاح حزب الله، والمنتهكة بالإحتلال الإسرائيلي، والمغيبة من قبل النظام الإيراني.

فحزب الله ما زال يصر على إبقاء ترسانة سلاحه الضخمة والاستمرار في تجنيد مقاتلين جدد وتهريب وربما تصنيع أسلحة جديدة. هذا الإصرار لا ينبع من دافع وطني بوضع إمكاناته العسكرية  بخدمة الدولة ولصالح لبنان ومصلحة اللبنانيين. وإنما للاحتفاظ بحقه الحصري والمستقل بقرار الحرب والسلم في لبنان، ليبقى لبنان ساحة “جهاد” مفتوحة في الظاهر، وعمق قومي استراتيجي للنظام الإيراني في العمق. مع إبقاء عنوان المقاومة مادة تمويه وإشغال محلي، لصرف النظر عن تكوين الحزب الأيديولوجي وغايات وجوده ومرجعيته الإيرانية.

مرجعية الدولة للمفاوضات، يعني انقطاع حبل الاتصال بين جهد حزب الله العسكري واستثماراته السياسية التي يحصدها من خلال المفاوضات.  حين يفقد الحزب مرجعيته وكلمته الأخيرة في المفاوضات فإن تضحياته وجهوده العسكرية تفقد وظيفتها ومعناها، ويقع الحزب أسير: فائض قوة مفرغة من جدواها وفاعليتها، وخطاب أيديولوجيا تقتل صاحبها من دون أية نتيجة،  ومهمات بات عاجزا عن إنجازها.

المتغير الأهم هنا هو خروج الإيراني كفاعل ومقرر لمسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل. لم يعد ملف لبنان مدرجاً في مفاوضات إسلام آباد، ولم يعد بإمكان الإيرانيين ربط مسار الجبهتين أو تزامنهما أو أن يكون لبنان جزء من مدى إيران الحيوي. هي وضعية تمهد لخروج النظام الإيراني، بكل سطوته الأمنية وعبثه السياسي وضحالته الثقافية وتهافته الأيديولوجي، من لبنان.  وتدفع النظام الإيراني، بعد انتزاع الدولة اللبنانية حقها الحصري في الحرب والسلم، إلى التفكير ملياً في جدوى بقاء حزب لله وتسليحه وتمويله. فلا يعود سؤال جدوى حزب الله سؤالاً لبنانياً، بل يصير إيرانياً لا يقتصر على سلاحه وإنما على أساس وجوده ومعنى بقائه.

«مرجعية الدولة للمفاوضات، يعني انقطاع حبل الاتصال بين جهد حزب الله العسكري واستثماراته السياسية التي يحصدها من خلال المفاوضات»

أما المشكلة الإسرائيلية، فلا نقلل من خطورتها، لكنها أقل تعقيداً، كون المسائل العالقة تتعلق بترسيم الحدود وضبط الأمن على الجبهتين. وهذا لا يحصل بخيار السلاح، الذي أثبت فشله لأكثر من خمسة عقود، وإنما يتم برعاية وضمانات دولية، وتفاوض مباشر لحل كل المسائل العالقة، مع التقيد الصارم والشفاف من الطرفين. لسنا معنيين بالنواياً، خبيثة كانت أو خيِّرة، وإنما معنيين بانتزاع التزام رسمي من إسرائيل مدعماً برعاية وضمانات دولية، باحترام سيادة لبنان وعدم انتهاك حدوده وعدم التعدي على مواطنيه. طبعاً، مقابل التزام مماثل من لبنان.

قوة لبنان ليست في ضعفه، لكنها ليست أيضاً في سلاح الميليشيات المتفلتة والشعارات الخاوية والإندفاع العدمي نحو الموت والتوظيف العبثي لمقدسات الدين والمذهب. قوة لبنان في كونه تقاطع ثقافات عدة وأديان متعددة وحضارات متنوعة، صلة وصل بين شرق وغرب، ثقافة انفتاح وانتشار لبناني منتج ومؤثر في كل أصقاع العالم، عناية دولية فائقة باستقراره وأمنه، عمق عربي يجده دائما في ملماته وأزماته.  هذا ليس شعراً أو خيالاً، بل مكونات عميقة تنسجم مع فكرة الكيان اللبناني الذي يُعرَّف بأبعد من جغرافيته وأكثر من قاطنيه من جهة،  وقابلة أن تترجم مواداً رادعة لكل خطر وشبكة علاقات والتزامات ضامنة لكل أمن واستقرار ورفاه من جهة أخرى.

لعل التحدي الأكبر في كل هذا هو في أن تثبت الدولة جدارتها وصدقيتها. جدارتها في أن تكون قادرة على حصر السلاح ومنع أي نشاط أمني خارج الدولة وإزالة كل جيوب الدولة العميقة.  هي أمام تحد في توظيف المتغيرات الكبرى والفرص المتاحة والدعم الدولي الكاسح لاستعادة سيادتها كاملة غير منقوصة وتدعيم صورتها كشبكة أمان وحيدة للمواطن اللبناني. أما صدقية الدولة، فهي صورتها أمام المجتمع الدولي بأنها ليست دولة قرارات فقط وإنما دولة اقتدار وحزم.  صدقية تستعيد الثقة بوجود دولة فعلية في لبنان لا افتراضية، دولة تملك أن تعد وتلتزم وتنفذ. صدقية تضمن للبنان تعاف وتماسك داخليين، وعودة مُشرِّفة إلى الساحة الدولية.

حدث المفاوضات تاريخي، لا بمعنى أنه إنجاز فعلي ومكتمل، وإنما بمعنى أنه فرصة غير مسبوقة، إمكانات مفتوحة، أفق إيجابي. موضوعة جميعها بيد صانعي القرار وجميع المؤمنين بلبنان وطناً ودولة، عليهم بذل أقصى الجهد في حُسن توظيفها واستثمارها إلى أقصى طاقتها. 

السابق
التصعيد جنوبًا: استشهاد مسعفين وغارات متزامنة على بلدات النبطية والجنوب
التالي
وقف إطلاق النار في لبنان: إعلان مفاجئ من دون قرار.. ماذا حصل في الكواليس؟