وقفت السيدة اللبنانية الأصل أمام السرايا الحكومية مطالبةً بأعلى، مؤكدةً أن من يمثلها في أي مفاوضات هي إيران، كردّ فعل على ما يسميه بعض من جمهور الثنائي الشيعي تقاعس الدولة اللبنانية و”خيانة” رئيس حكومتها نواف سلام، الذي أكد أن من يفاوض عن لبنان هو لبنان وحكومته الشرعية.
لم يستطع الداعون إلى التظاهرة ضد سلام حشد تظاهرة تليق بمطالبهم التخوينية، وذلك لأن الجمهور الحقيقي الذي طالما شكّل وقودًا لمثل هذه التظاهرات مشغول بنزوحه. نزوحٌ بات أقرب إلى نزفٍ متواصل للدماء، في ظل توسيع إسرائيل عملياتها التي لا تفرّق بين عضو أو قائد في حزب الله ومدنيين.
حركة أمل سارعت إلى الطلب من جمهورها عدم المشاركة في أي تظاهرة في بيروت، ليلحق بها حزب الله. هذا الطلب جاء بعد ساعات من بداية التظاهرة، في تنصّل قد يكون مرتبطًا بالحشد الضئيل الذي لا يليق بالثنائي.
لبنان في واقع لا يُحسد عليه، فهو يفاوض تحت النار في ظل مجازر متنقلة تطال شعبه، وانقسام داخلي بين معارض ومهلل لهذه المفاوضات
لبنان، عشية انطلاق ما يُسمّى بالمفاوضات بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في الولايات المتحدة، في واقع لا يُحسد عليه، فهو يفاوض تحت النار في ظل مجازر متنقلة تطال شعبه، وانقسام داخلي بين معارض ومهلل لهذه المفاوضات. وهناك الطرف الثالث الذي يمسك العصا من الوسط، إذ إنه لا يجوز برأيهم معاداة حزب الله وهو في وسط المعركة في وجه عدو لا يرحم. وهذه المجموعة تعتبر أنه لا يجوز تحميل حزب الله تبعات الحرب، وأن إسرائيل كانت آتية لا محال، وأن لا مكان لهذا الكلام السياسي في هذه الفترة، ولننتظر انتهاء الحرب.
تنسى هذه المجموعة أن الشرعية اللبنانية انتظرت انتهاء أكثر من حرب وأكثر من أزمة مع حزب الله، وفي كل مرة كانت تصطدم بحائط عنجهية حزب الله وانتصاراته، الذي لم يكن يومًا مستعدًا لبناء دولة حقيقية أو دعمها للقيام.
إذا ما تركنا جانبًا التحرير في 25 أيار 2000، عندما قامت إسرائيل بانسحاب أحادي الجانب من الأراضي اللبنانية، واعتبرنا أنه لم يكن تحريرًا مكتملًا طالما هناك أسرى لبنانيون في السجون الإسرائيلية.
في عام ٢٠٠٦، انتهت حرب تموز، التي استمرّت ٣٣ يومًا، بأفضل طريقة ممكنة: بلد منهك مدمّر، تدخلت قطر لإعادة إعماره، وأرسلت إيران صناديق الكاش، ليست منّةً منها، ولكن ثمنًا لحرب أرادتها مسرح اختبار لأسلحتها ونموذجًا لتوطيد الربط بين الجبهتين، حيث أشرف الجنرال قاسم سليماني شخصيًا على بعض مفاصلها. ورغم قساوتها، خرج حزب الله منتصرًا مزهوًا، كرّس انتصاره الإلهي بتحرير سمير القنطار، عميد الأسرى اللبنانيين آنذاك، والذي دُمّر البلد من أجل عينيه، إذ إننا قوم لا نترك أسرانا في السجون الإسرائيلية، بحسب الأمين العام لحزب الله آنذاك حسن نصرالله. وفي ظل سردية أن الدبلوماسية لا تحرر الأرض.
في وقت قياسي، عادت الضاحية الجنوبية “أجمل مما كانت”، وقرى الجنوب أُعيد إعمارها، أسرانا ينامون هانئين في منازلهم، يتزوجون وينجبون أطفالًا، والأهم من ذلك أرضنا محررة أكثر من أي وقت مضى، بفعل ثلاثية سحرية صامدة رغم عدم منطقيتها “جيش وشعب ومقاومة”، وترسانة أسلحة كبيرة وتنمو، ووقف إطلاق نار لا اتفاق سلام ولا اتفاقية استسلام ولا تطبيع مباشر أو غير مباشر، وضعية مثالية مع عدو متعطش للدماء وجاهز للانقضاض في أي لحظة، ولا يتحين الفرصة فحسب بل يتمناها.
انتهاء حرب ٢٠٠٦ على نصر إلهي لم يذهب سدى، فتم توظيف هذا النصر داخليًا، في انقلاب على نتائج الانتخابات النيابية وفي ٧ أيار ٢٠٠٨
بالطبع، انتهاء حرب ٢٠٠٦ على نصر إلهي لم يذهب سدى، فتم توظيف هذا النصر داخليًا، في انقلاب على نتائج الانتخابات النيابية وفي ٧ أيار ٢٠٠٨، متحصناً باتفاقية مار مخايل مع التيار الوطني الحر، والتي على أساسها اعتبر حزب الله انه يتحكم بالبلد بدعم وبتفاهم مع أكبر ممثل للمسيحيين في شباط ٢٠٠٦.
في ٢٠١١، تحول حزب الله من الجبهة الداخلية إلى نصرة نظام بشار الأسد في سوريا ضد شعبه، في معركة دفاعًا عن محور المقاومة وطريق إمداده العسكري، وخسر حزب الله في المعارك مجموعة من قادته، بينهم عماد مغنية، الذي اغتالته إسرائيل، وعميد الأسرى المحرر سمير القنطار، الذين كانوا أكثر انكشافًا على أرض المعركة في سوريا. أوجد حزب الله لنفسه عدوًا يشغله، ففي خضم معركته لتثبيت بشار الأسد في حكمه، ظهر داعش تنظيمًا بدرجات إجرام قياسية، فعمد حزب الله إلى حماية نساء لبنان من أن يقعن سبايا في يد جيش الدولة الإسلامية، كما أكد نصرالله مرارًا، ولا يزال جمهوره يُمني فيها اللبنانيين، وخصوصًا اللبنانيات، وتحديدًا من بنات الطائفة الكريمة اللواتي تصدحن خارج مسار الثنائية الشيعية.
في عام ٢٠١٦، وصل رئيس التيار الوطني ميشال عون رئيسًا للجمهورية بعد تعطيل سنتين ونصف السنة من قبل حزب الله، وكان التعطيل تحت شعار وصول رئيس يأمن له الطرف المنتصر الدائم، فيدخل معه بحوار على استراتيجية دفاعية تقوي موقف لبنان الإقليمي في وجه عدوه الحقيقي، وتزرع الاطمئنان في داخل قلق من قوة الردع وإمكانية التفافها إلى الداخل في أي لحظة، مستشهدين بأحداث ٧ أيار التي وصفها نصرالله باليوم المجيد آنذاك.
استراتيجية دفاعية لم ترَ النور، تمامًا كمنازل اللبنانيين الذين وقفوا متفرجين على حكم فشل عهد عون
استراتيجية دفاعية لم ترَ النور، تمامًا كمنازل اللبنانيين الذين وقفوا متفرجين على حكم فشل عهد عون، حيث تكرست معادلة الصهر والسيد وما بعدهما الطوفان. تراكم الفساد وصخب التعطيل الممنهج تحول إلى كارثة اقتصادية عام ٢٠١٩، بسرقة القرن لأموال الشعب، تبعها واحد من أكبر الانفجارات غير النووية في العالم، انفجار مرفأ بيروت، مركز تخزين لمادة النيترات، بعلم وتواطؤ وإهمال بين أفرقاء السلطة وسيدها، الذي نسي رقم عنبر التخزين الذي مزق نصف العاصمة في ٤ آب ٢٠٢٠.
انتهى عهد ميشال عون في أكتوبر ٢٠٢٢، من دون استراتيجية دفاعية، وفي تمدد لغطرسة حزب الله الداخلية، ودخل لبنان مرحلة من التعطيل الجديد في انتظار رئيس جديد يأمن له حزب الله، وكالعادة حضر سليمان فرنجية البدلة الرسمية بانتظار فرضه رئيسًا.
العدو الإسرائيلي في كل هذه الفترة يراقب، يهدد عند الحاجة، وقوة الردع تتمدد، لا أحد يجرؤ على الخطوة الأولى، بعض الانتهاكات للخط الأزرق تنتهي بعد ساعات، وضبط النفس قائم، والقرار ١٧٠١ في الأدراج وبعض أوراق اليونيفيل.
في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، لبنان كان يخرج من صيف صاخب هادئ، يتعافى بفضل أموال المغتربين، بانتظار انتخاب رئيس للجمهورية بعد عام من التعطيل، والأهم أن أرضه كانت محررة، ولا أسرى لديه في السجون الإسرائيلية.
في اليوم نفسه، فتحت حماس عملية طوفان الأقصى، وقرر حزب الله في اليوم التالي إسناد غزة وفق قواعد اشتباك ظن أنه سيتحكم بها، رغم الدعوات لفصل الجبهات. لكن الحرب تمددت وانتهت بمشهد مأساوي: دمار واسع، خسائر بشرية كبيرة، وواقع ميداني أكثر تعقيدًا.
في ٢٨ شباط ٢٠٢٦، كان لبنان يعيش تحت وقف إطلاق نار هش، مع محاولات محدودة من الدولة لضبط الوضع، وسط خروقات إسرائيلية مستمرة.
وفي اليوم نفسه، دخلت المنطقة مرحلة أخطر مع تصعيد إقليمي كبير، ما دفع حزب الله إلى فتح جبهة جديدة، لتبدأ حرب مدمرة ثانية على لبنان خلال أقل من سنتين، مع موجة نزوح واسعة.
اليوم، يتجه لبنان إلى المفاوضات تحت النار، بعدما أثبتت الحروب أنها لا تنتج سوى الدمار. خلال عقدين، انتقل من بلد يمتلك أوراق قوة إلى بلد يفاوض تحت القصف، وسط ارتباطات إقليمية جعلته ورقة تفاوض بيد الآخرين، لا دولة تفاوض باسم نفسها.
تبقى الصرخة معلقة: هل لبنان دولة تفاوض… أم مجرد ورقة على طاولة الآخرين؟

