في وقت يرفع فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون سقف الطمأنة مؤكدًا أن “الوضع الأمني ممسوك ولا خوف من الفتنة المذهبية”، يعيش اللبنانيون على وقع تناقض صارخ بين استقرار داخلي هش وتصعيد إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات.
ففي الخارج، يلوّح دونالد ترامب بـ”لحظة تاريخية” قد تنهي “47 عامًا من الفساد والموت”، وسط ترقّب عالمي لمفاجأة قد تعيد رسم توازنات المنطقة. أما في الداخل، فالمآسي اليومية تتكرر، كما في جريمة عين سعادة التي أودت بحياة بيار معوض وزوجته رولا مطر، في مشهد يعكس كلفة انخراط لبنان في حرب لا قرار له فيها.
عون: لا للفتنة… والدولة هي الملاذ
في مواجهة مناخ القلق، شدد عون على أن مسؤولية الأمن “مشتركة بين المواطنين والجيش والأجهزة”، محذرًا من خطورة الاستثمار السياسي والإعلامي في خطاب الفتنة.
وأكد أن “لا قدرة لأحد على تحمّل انفجار داخلي”، في إشارة واضحة إلى أن التوازنات اللبنانية لم تعد تحتمل اهتزازات كبرى، خصوصًا مع النزوح الداخلي وتداعيات الحرب جنوبًا.
كما كشف عن اتصالات مكثفة لضمان عدم استهداف معبر المصنع، في ظل أهميته الحيوية للبنان وسوريا، بالتوازي مع تعزيز الانتشار الأمني في بيروت ومناطق أخرى لطمأنة المواطنين.
المصنع والجنوب: احتواء هشّ للنار
نجحت الاتصالات السياسية، التي قادها رئيس الحكومة نواف سلام بالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية، في تجنيب معبر المصنع الاستهداف الإسرائيلي حتى الآن، من دون ضمانات نهائية لإعادة فتحه.
في المقابل، يستمر التصعيد جنوبًا، مع تكثيف الضربات الإسرائيلية على المعابر والبنى التحتية في منطقة الليطاني، في إطار سعي واضح لفرض واقع أمني جديد، يوازي الضغط العسكري بمسار تفاوضي يجري بعيدًا عن الأضواء.
معلومات “جنوبية”: مفاوضات باكستان ترسم ملامح التسوية
في موازاة هذا التصعيد، تكشف معلومات خاصة لموقع “جنوبية” عن مفاوضات غير معلنة تُعقد في باكستان، بمشاركة تركيا ومصر وباكستان، وعلى تماس غير مباشر مع واشنطن وطهران.
وتبحث هذه الاجتماعات مسودة من عشر نقاط، تم التوافق على معظمها، فيما بقيت عقدتان أساسيتان تتصلان بلبنان هي، امكانية وقف فوري وشامل لإطلاق النار ودعم الجيش اللبناني لوجستيًا وعسكريًا لتنفيذ الاتفاق تحت طائلة عودة الحرب في حال استعصاء التنفيذ.
أحد أبرز التحولات في الطرح التفاوضي يتمثل في رفض أي وقف إطلاق نار أحادي الجانب، من اجل اعطاء فرصة للجيش اللبناني ولحزب الله بتنفيذ كامل اتفاق 1701.
فالمعطيات تشير إلى أن “حزب الله” لن يلتزم بتهدئة من طرف واحد، ما يفرض صيغة وقف شامل ومتزامن، ولو لفترة محدودة، كمدخل إلزامي لأي اتفاق.
هذا الشرط يعكس توازن ردع جديد، حيث لم يعد ممكنًا فرض قواعد اشتباك جزئية، بل باتت التسويات مرتبطة بحزم متكاملة تشمل جميع الجبهات.
الجيش اللبناني في قلب التسوية
العنصر الأكثر حساسية في المفاوضات هو الدور المستقبلي للجيش اللبناني.
إذ يتضمن الطرح دعمًا دوليًا واسعًا، لوجستيًا وعسكريًا، يهدف إلى:
- تعزيز قدرات الجيش العملانية.
- تمكينه من الانتشار جنوب الليطاني.
- تطبيق القرارات الدولية.
ويصل الأمر إلى حد طرح إعادة هيكلة الجيش بمساعدة دولية بما يكرّس احتكار الدولة للسلاح تدريجيًا، ويمهّد لنزع سلاح “حزب الله” في مراحل لاحقة.
حسابات بنيامين نتنياهو
يبقى الموقف الإسرائيلي عاملًا حاسمًا، يمكن ان يهدد المفاوضات الجارية بشكل كامل، من البوابة اللبنانية.
تشير التقديرات إلى أن بنيامين نتنياهو قد يُظهر مرونة في الملف الإيراني، لإمكانية تسويقه داخليًا كإنجاز، لكنه في المقابل يسعى إلى حسم جذري في لبنان، يمنع تكرار سيناريو الحروب السابقة.
فالرهان الإسرائيلي يتمثل في إضعاف “حزب الله” ميدانيًا، وفرض وقائع جديدة جنوب الليطاني، قبل أي انسحاب محتمل مرتبط بتنفيذ الاتفاق.
بين الطمأنة والانفجار
يقف لبنان اليوم عند تقاطع خطير يتخلله مسار تفاوضي قد يفتح باب التسوية أو ينهار في أي لحظة.
وبين هذه العوامل، يتكرّس واقع جديد عنوانه ان لبنان لم يعد مجرد ساحة مواجهة، بل بات ورقة تفاوض أساسية في رسم توازنات المنطقة، حيث يُختبر مستقبل الدولة، ودور الجيش، وحدود سلاح “حزب الله” في معادلة لم تُحسم بعد.

