في موقف هو من الأكثر حدّة منذ اندلاع الحرب، رسم رئيس الحكومة نواف سلام، في مقابلة مع قناة “الحدث”، ملامح مواجهة سياسية مفتوحة مع “حزب الله” وحلفائه، واضعاً الحرب، والسلاح، والتفاوض مع إسرائيل، ووجود الحرس الثوري الإيراني في لبنان، في صلب خطاب غير مسبوق من حيث النبرة والمضمون.
الحرب فُرضت على لبنان… وليست قرار الدولة
أكد سلام أن الحرب لم تكن خياراً لبنانياً، بل فُرضت على الدولة وعلى اللبنانيين، مشدداً على أن البلاد تدفع أثماناً باهظة نتيجة قرار لم تتخذه السلطة الشرعية.
وقال بوضوح إنّ “الحرب فُرضت على لبنان وهي ليست خيارنا”، لافتاً إلى أنّ الحكومة كانت تتمنى لو أنّ الجهة التي دفعت البلاد إلى هذا المسار تحلّت بالحد الأدنى من العقلانية قبل أن تعود إلى المغامرة مجدداً. واعتبر أنّ من أدخل لبنان في الحرب فعل ذلك بدافع “الثأر لخامنئي”، مضيفاً أنّ اللبنانيين ليسوا معنيين بدفع ثمن صراعات إقليمية ولا من واجبهم “الثأر لخامنئي”.
سلام يحمّل حزب الله كلفة النزوح والدمار
في واحدة من أقسى عباراته، ربط رئيس الحكومة بين صواريخ “حزب الله” وكارثة النزوح الداخلي، معتبراً أنّ كل جولة تصعيدية كانت تُترجم مباشرة بمزيد من التهجير والانهيار.
وأشار إلى أنّ “كل صاروخ من صواريخ حزب الله الستة كان ثمنه 10 آلاف نازح لبناني”، في توصيف صادم لحجم الكلفة الإنسانية. وأضاف أنّ هذه الصواريخ، إلى جانب ما خلّفته من أضرار واسعة، ساهمت أيضاً في تهديد مصداقية الحكومة وإرباك قدرتها على إدارة الأزمة.
وفي ما يخص ملف النازحين، شدّد سلام على أنّ قسماً كبيراً منهم يستفيد من برامج إغاثية تديرها الحكومة، معتبراً أنّ الحملات التي تتهم الدولة بالتقصير لا تهدف إلى حماية النازحين بقدر ما تسعى إلى تحويل الأنظار عن مساءلة “حزب الله” عمّا تسبّب به من كوارث.
حصر السلاح: لا تراجع عن قرارات الحكومة
في ملف السلاح غير الشرعي، أقرّ سلام بأنّ لبنان تأخّر سنوات طويلة في السير بمسار حصر السلاح بيد الدولة، إلا أنّه شدّد على أنّ هذه المرحلة لم تعد تحتمل التردد أو المواربة.
وأكد أنّ البيان الوزاري الذي نصّ بوضوح على حصر السلاح كان قد نال ثقة “حزب الله” نفسه، ما يسقط أي محاولة للالتفاف على هذا الالتزام. وأضاف أنّ الحكومة لن تتراجع عن قراراتها في هذا الملف، معتبراً أنّ حصر السلاح بات اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً بعد الكلفة الباهظة لما سمّاه “حرب الإسناد”.
لن نخاف من تهديدات حزب الله… ولن نخضع للابتزاز
رفع رئيس الحكومة سقف المواجهة السياسية مع الحزب، لكنه في الوقت نفسه حرص على تأكيد أنه لا يدعو إلى صدام داخلي.
وقال بوضوح: “لا أدعو لمواجهة مع حزب الله لكن لا أقبل الخضوع لابتزازه”، مضيفاً أنّ الحكومة لن تخاف من التهديدات، وأنّ محاولات الترهيب هدفها الأساسي منع اللبنانيين من طرح السؤال الجوهري: من أوصل البلاد إلى هذا الخراب؟
وشدّد على أنّه أبلغ قائد الجيش وأعضاء الحكومة رفضه الرضوخ لأي ابتزاز سياسي أو أمني، نافياً في الوقت نفسه ما تردد عن حصول توتر أو صراخ أو احتكاك مع قائد الجيش، ومؤكداً أنّ العلاقة قائمة على التنسيق لا على الاشتباك.
بيان “الضباط الوطنيين” مشبوه… وغرف سوداء تقف خلفه
وفي تعليقه على البيان الذي جرى تداوله على أنّه صادر عن ضباط في الجيش اللبناني، لم يتردد سلام في وصفه بـ”المشبوه”، معتبراً أنّ خلفه جهات تعمل من “غرف سوداء” تحاول ضرب المؤسسة العسكرية أو استغلال اسمها في لحظة شديدة الحساسية.
هذا التوصيف يعكس، بحسب أوساط سياسية، خشية حكومية واضحة من محاولات تشويش ممنهجة تستهدف ضرب التماسك داخل الدولة، وخصوصاً في المؤسسة العسكرية التي تُعدّ العمود الفقري للاستقرار الداخلي.
الحرس الثوري الإيراني في لبنان… ويقود عمليات عسكرية
في أخطر ما كشفه خلال المقابلة، أعلن سلام أنّ الحرس الثوري الإيراني موجود داخل لبنان ويقود عمليات عسكرية بشكل مباشر، في اتهام رسمي بالغ الخطورة يضع العلاقة بين لبنان وإيران أمام اختبار سياسي وأمني كبير.
وقال إنّ الحرس الثوري هو من أطلق مسيّرات من الأراضي اللبنانية باتجاه قبرص، مضيفاً أنّ عناصره يقيمون في لبنان “بطريقة غير شرعية” ويستخدمون جوازات سفر مزوّرة، في ما يشكّل انتهاكاً صارخاً للسيادة والقانون اللبناني.
وكشف أيضاً أنّ قرار الحكومة القاضي بإخراج عناصر الحرس الثوري من لبنان دخل حيّز التنفيذ، ما يفتح الباب أمام مواجهة معقّدة مع بنية النفوذ الإيراني الميداني داخل البلاد.
توقيف مسلّحين من حزب الله… ورفض تحويل لبنان منصة إقليمية
وفي سياق متصل، أعلن رئيس الحكومة أنّ الأجهزة المعنية أوقفت عناصر من “حزب الله” كانوا يحملون السلاح، في إشارة إلى بدء ترجمة بعض القرارات الحكومية ميدانياً، ولو بحذر.
وشدّد على أنّ الدولة اللبنانية لا يمكن أن تقبل بإعادة استخدام أراضيها منصة لاستهداف الدول العربية أو الإضرار بعلاقات لبنان الإقليمية. ولفت إلى أنّ لبنان الرسمي أدان، خلال اجتماع الرياض، الخلايا التابعة لـ”حزب الله” الناشطة في عدد من الدول العربية، في رسالة سياسية تعكس محاولة واضحة لإعادة التموضع الرسمي عربياً.
المفاوضات مع إسرائيل: كسر المحرّم السياسي
في ملف التفاوض، أعلن سلام بوضوح أنّ حكومته أسقطت عملياً “تابو” حظر التفاوض مع إسرائيل، معتبراً أنّ الدولة اللبنانية لم تعد تستطيع إدارة هذه المرحلة بعقلية الشعارات الجامدة.
وأوضح أنّه لا يوجد حتى الآن جدول أعمال نهائي للمفاوضات، لكنّ مبادرة التفاوض لا تزال قائمة من الجانب اللبناني، وأنّ الحكومة تعمل على تشكيل وفد وطني جامع لتمثيل لبنان في أي مسار تفاوضي مقبل.
وأشار إلى أنّ الهدف الأساسي من هذه المفاوضات المباشرة هو وقف إطلاق النار وتأمين انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، في ما يضع هذا المسار ضمن منطق استعادة السيادة لا ضمن منطق التطبيع السياسي.
لا تعديل وزارياً… والدولة هي الملاذ الأخير
وعلى المستوى الحكومي الداخلي، نفى سلام وجود أي بحث راهناً في تعديل وزاري، مؤكداً تمسّكه بجميع الوزراء وعدم رغبته في استبدال أي منهم في هذه المرحلة الدقيقة.
وختم بالتشديد على أنّ الدولة تبقى الملاذ الوحيد لجميع اللبنانيين، مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية والطائفية، معتبراً أنّ غالبية اللبنانيين تقف إلى جانب قرارات الحكومة، لأنها ترى فيها آخر فرصة لإنقاذ ما تبقّى من الدولة قبل سقوطها الكامل في قبضة السلاح والفوضى.

