منذ الثاني من آذار 2026، عادت مدارس مدينة صيدا لتتحوّل إلى خطوط دفاع إنسانية متقدّمة في مواجهة موجة النزوح الجديدة من الجنوب، مع تجدّد الحرب واتّساع رقعة التهجير. وبين قاعات الصفوف والممرّات والملاعب الداخلية، تتكرّر صورة مألوفة منذ حرب 2024: عائلات اقتُلعت مجدداً من منازلها، ومتطوّعون وجمعيات وإدارات مدارس وبلدية ينسجون، بإمكانات محدودة، شبكة احتضان وصمود.
لكن خلف مشهد التضامن هذا، تظهر وقائع قاسية: أعداد تفوق القدرة الاستيعابية، نقص في المياه ولوازم المبيت، أدوية غير كافية، وحاجات ملحّة للأطفال وذوي الإعاقة والحوامل والمرضى. وفي كل مركز، ورغم اختلاف التفاصيل، يبقى الجواب واحداً حين يُسأل المهجّرون عمّا يريدونه: العودة إلى منازلهم.
متوسطة الشهيد معروف سعد: استضافة تتجدّد… والقدرة بلغت حدودها
تُعدّ متوسطة الشهيد معروف سعد الرسمية من أبرز مراكز الاستضافة في صيدا، وقد فتحت أبوابها في 2 آذار 2026 لاستقبال عائلات جنوبية سبق أن استضافت غالبيتها خلال حرب 2024.
هنا، تعمل إدارة المدرسة ومتطوّعو جمعية التضامن الشعبي كفريق واحد، يتقاسمون المهام اليومية مع الأهالي أنفسهم الذين يشاركون أيضاً في تنظيم شؤون إقامتهم.
بحسب إحدى المتطوعات، استقبل المركز 161 عائلة تضم 636 شخصاً، بينهم نحو 220 طفلاً، ويجري استخدام 61 غرفة، إضافة إلى إقامة قواطع داخل الملعب الداخلي لتأمين مساحات إضافية للعائلات. وأكدت أن لوازم المبيت جرى تأمينها بالتعاون بين إدارة المدرسة والبلدية، إلا أنّ المركز لم يعد قادراً على استقبال مزيد من الوافدين.
وعلى المستوى الغذائي، يؤمّن المطبخ الشعبي التابع للجمعية وجبات ساخنة يومية لجميع المقيمين، كما تصل أحياناً وجبات من متبرعين، إضافة إلى مساعدات غذائية مخصّصة للطبخ، مستفيدة من وجود مطبخ عام في كل طابق.
صحياً، تزور مؤسسة عامل المركز مرتين أسبوعياً لإجراء معاينات وتأمين الأدوية المتوافرة، فيما يتولى الصليب الأحمر اللبناني نقل الحالات الطارئة إلى المستشفيات الحكومية. ويضم المركز خمسة أشخاص من ذوي الإعاقة، بينهم مقعد وحالة توحّد، ما يضاعف الحاجة إلى رعاية متخصصة.
أما المشكلة الأبرز، فتتمثل في نقص مياه الاستخدام، إذ لا تكفي الكميات التي تصل إلى الخزانات حاجة المقيمين، ما يؤدي إلى انقطاع متكرر، فضلاً عن انقطاع التيار الكهربائي أحياناً رغم وجود نظام طاقة شمسية كبير. كما يحتاج المركز بشكل ملحّ إلى حفاضات للأطفال والكبار، وإلى حليب للأطفال فوق العام الواحد.
مدرسة أنجليك صليبا: ضيوفٌ إلى حين العودة… رغم الخطر والقلق
في قلب الوسط التجاري لمدينة صيدا، تقع مدرسة أنجليك صليبا الرسمية المختلطة، التي عادت بدورها إلى أداء دورها الإنساني كمركز استضافة، بعدما كانت قد احتضنت مهجّري الجنوب في حرب 2024. وقد شهدت المدرسة إخلاءً مؤقتاً مرتين، الأولى خلال الحرب السابقة، والثانية خلال الحرب الحالية، بسبب التهديدات الإسرائيلية المرتبطة بقربها من فرع لـ”القرض الحسن” يقع خلف المدرسة مباشرة.
ورغم هذا الواقع الحساس، عاد المهجّرون إلى المدرسة بانتظار العودة إلى الجنوب. وتتولى جمعية المساعدات الشعبية للإغاثة والتنمية (PARD)، بالتعاون مع كشافة الفاروق، إدارة شؤون المركز.
تؤكد إحدى المتطوعات أن المدرسة استقبلت 70 عائلة تضم 300 شخص منذ صباح 2 آذار 2026، موزعين على 19 غرفة، بينهم نحو 90 طفلاً دون 18 عاماً. وعلى الرغم من تأمين الفرش والحرامات، لا يزال المركز يعاني نقصاً في المخدات، وهو نقص يتكرر في معظم مراكز الإيواء.
الغذاء مؤمّن يومياً عبر جمعية المواساة التي توفر وجبة ساخنة للمقيمين، فيما تزور مؤسسة عامل المركز مرتين أسبوعياً لتقديم الفحوصات الطبية والأدوية المتوافرة، مع اضطرار المرضى لشراء الأدوية غير المتوفرة على نفقتهم. كما توفّر العيادة النسائية التابعة للجمعية خدماتها مرة أسبوعياً لمتابعة أوضاع النساء.
ولا تقتصر التحديات على الجوانب المعيشية، إذ تنظم جمعية PARD جلسات جماعية وفردية لمعالجة التوترات والمشكلات العائلية الناتجة عن ظروف النزوح. ويضم المركز حالتين لمريضين مصابين بـالتصلب اللويحي، إضافة إلى حالات نفسية متأثرة بالأوضاع الراهنة، ما يستدعي متابعة دقيقة. كما يعاني المركز نقصاً في حليب الأطفال والحفاضات، وهي مواد أساسية بات غيابها يهدد صحة الأطفال بشكل مباشر.
المدرسة اللبنانية الكويتية: أكبر من القدرة… وأقل من الحاجات
تُعدّ المدرسة اللبنانية الكويتية الرسمية من أكبر مراكز الإيواء في صيدا، وقد استقبلت أعداداً كبيرة من المهجّرين منذ الساعات الأولى للنزوح، ولا سيما من العائلات التي سبق أن لجأت إليها خلال حرب 2024. وتتولى جمعية AURDA متابعة شؤون المقيمين فيها.
وتقول إحدى الناشطات إن المركز يستضيف حتى الآن 300 عائلة تضم 1103 أشخاص، وهو رقم يفوق قدرته الفعلية على الاستيعاب، ما يفسّر استمرار النقص في الفرش والحرامات والمخدات، رغم الدعم الذي تقدّمه بلدية صيدا. وتؤمّن جمعية أهلنا وجبات إفطار ساخنة يومية لجميع المقيمين.
لكن الضغوط الأساسية تظهر في الخدمات الأساسية: مشكلات في الحمامات، نقص في مياه الاستخدام، وصعوبة في تأمين مياه الشرب بشكل مستدام. كما يجري تأمين الكهرباء نهاراً عبر الطاقة الشمسية، وليلاً بواسطة المولد، ما يستوجب تأمين مادة المازوت بصورة دائمة.
صحياً، يزور مركز الدكتور نزيه البزري المدرسة مرتين أسبوعياً بتوجيه من وزارة الصحة، إلا أن طاقته لا تسمح بمعاينة أكثر من 30 شخصاً في كل زيارة. وتوجد خيمة صحية داخل المركز، فيما تُحال حالات غسيل الكلى والسرطان إلى المستشفى الحكومي والمستشفى التركي. ومن بين المقيمين 8 نساء حوامل، خمس منهن في الشهر التاسع، ما يفرض جهوزية طبية خاصة في أي لحظة.
وفي المركز أيضاً نحو 500 طفل، ما يجعل النقص في الحليب والحفاضات أزمة يومية حقيقية. وقد أنشأت الجمعية لجاناً من الأهالي للنظافة والتوزيع، إلى جانب مندوبين عن الغرف، وأصدرت بطاقات خاصة بكل عائلة لتنظيم المساعدات وضبط الأعداد.
ثانوية مصطفى الزعتري: الصفوف لم تعد تكفي… والخيم دخلت المشهد
في ثانوية مصطفى الزعتري الرسمية في تعمير عين الحلوة، تبدو صورة الاكتظاظ أكثر وضوحاً. فمنذ اعتمادها مركزاً للاستضافة في 2 آذار 2026، بإشراف مؤسسة الشهيد معروف سعد، استقبلت الثانوية نحو 280 عائلة تضم 850 شخصاً، بينهم 200 طفل، موزعين على 46 غرفة.
لكن مع ازدياد أعداد الوافدين، لم تعد الغرف كافية، فبدأت المؤسسة منذ مساء 14 آذار بنصب 30 خيمة لاستقبال العائلات التي كانت تنام في سياراتها، على أن تتسع كل خيمة لخمسة أشخاص.
ورغم تأمين فرش النوم، لا يزال المركز يعاني نقصاً في المخدات والحرامات، فيما تؤمّن منظمة Shield وجبة إفطار ساخنة يومية. وتبرز هنا أيضاً أزمة مياه الاستخدام، ما اضطر القائمين على المركز إلى الاستعانة بجهاز الإطفاء لتأمين الكميات المطلوبة، في حين تؤمّن الطاقة الشمسية الكهرباء حتى الآن.
وتزور مؤسسة معروف سعد المركز مرتين أسبوعياً لتقديم الخدمات الطبية والأدوية المتوافرة، فيما توجد ثلاث حالات غسيل كلى لا تواجه صعوبات بسبب قرب المستشفى المعني. لكن المركز يحتاج بشكل ملحّ إلى حليب أطفال وحفاضات بمختلف القياسات، إلى جانب رعاية لثلاثة أشخاص من ذوي الإعاقة ومريض نفسي يحتاج إلى تدخل عاجل.
صيدا تُحسن الاستضافة… لكن الدولة مطالبة بالتدخل
تكشف هذه المراكز الأربعة صورة مزدوجة: تضامن أهلي ومدني استثنائي من جهة، وضغط يفوق قدرة المبادرات المحلية من جهة أخرى. فصيدا تحتضن الجنوب مرة جديدة، لكن هذا الاحتضان لم يعد يكفي وحده في ظلّ تضخّم أعداد المهجّرين وتراكم الحاجات.
المطلوب اليوم ليس فقط الإشادة بدور الجمعيات والمتطوعين والبلدية وإدارات المدارس، بل تدخل سريع ومنظّم من لجان الأزمات والكوارث على مستوى المدينة والمحافظة والدولة، لتأمين المياه، والدواء، وحليب الأطفال، والحفاضات، ولوازم المبيت، والرعاية الخاصة للفئات الأكثر هشاشة.
أما المهجّرون، فقد اختصروا المشهد كله بجملة واحدة لا تحتاج إلى شرح: لا يريدون سوى العودة إلى بيوتهم… وإلى جنوبهم.

