تدخل المواجهة الإقليمية المنعكسة بصراع مباشر بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، نفقاً مظلماً من التصعيد “النوعي” الذي تجاوز حدود الجبهات التقليدية ليضرب في “رأس” الهرم القيادي.
وفي تطور دراماتيكي يعكس حجم الاختراق الأمني والتحول في قواعد الاشتباك، أكدت طهران مقتل علي لاريجاني، المستشار البارز وأحد أعمدة النظام التاريخيين، في وقت تمر فيه المنطقة بمرحلة “كسر عظم” عسكرية وسياسية غير مسبوقة.
ويعد علي لاريجاني واحداً من أعمدة النظام الإيراني الأكثر تعقيداً ودهاءً. لم يكن مجرد مسؤول سياسي، بل كان “رجل الظل والعلن” الذي أدار ملفات إيران الشائكة لعقود، متنقلاً بين أروقة الحرس الثوري، دهاليز الدبلوماسية النووية، ورئاسة البرلمان.
النشأة والسيرة المدنية: “فيلسوف السلطة”
ولد علي أردشير لاريجاني عام 1958 في النجف بالعراق، لعائلة دينية عريقة (والده آية الله العظمى ميرزا هاشم آملي). هذا المنبت الديني منحه شرعية تقليدية داخل الحوزة العلمية، لكن توجهه كان أكاديمياً بامتياز:
- التعليم: حصل على بكالوريوس في الرياضيات والعلوم الكمبيوتر من جامعة شريف للتكنولوجيا، ثم انتقل لدراسة الفلسفة الغربية، وحصل على الدكتوراه فيها من جامعة طهران.
- الفكر: عُرف بلقب “الفيلسوف” في أوساط النظام، حيث كان يمزج بين المنطق الفلسفي والبراغماتية السياسية، مما جعله قادراً على مخاطبة الغرب والداخل بلغة رصينة.
السيرة العسكرية والأمنية: “ابن الحرس الثوري”
لم تكن حياة لاريجاني بعيدة عن البزة العسكرية؛ فقد انخرط مبكراً في المؤسسات السيادية:
- الحرس الثوري: شغل منصب نائب قائد الحرس الثوري الإيراني في الثمانينيات، وكان له دور محوري في التنسيق اللوجستي والأيديولوجي خلال الحرب العراقية الإيرانية.
- رئاسة الإذاعة والتلفزيون (IRIB): أدار هذه المؤسسة لعشر سنوات بقرار من المرشد الأعلى، حيث حولها إلى أداة استراتيجية لصياغة الوعي القومي والأمني.
- مجلس الأمن القومي: تولى أمانة المجلس وكان المفاوض النووي الأول، حيث وضع الأسس الأولية لسياسة “الصمود والتفاوض”.
المسيرة السياسية: “رجل البرلمان والدبلوماسية”
تعتبر رئاسته لمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) لمدة 12 عاماً متتالية (2008–2020) المحطة الأبرز:
- الوسطية: نجح في الحفاظ على توازن دقيق بين التيارات الأصولية والمتشددة وبين المطالب الإصلاحية، وكان يُعتبر “صمام أمان” داخل البرلمان.
- اتفاقية الصين: كان المهندس الحقيقي للاتفاقية الاستراتيجية لمدة 25 عاماً مع الصين، مؤمناً بأن مستقبل إيران يكمن في “التحول شرقاً” لكسر العزلة الغربية.
تداعيات مقتله على نظام الحكم في طهران
يمثل غياب لاريجاني في هذا التوقيت “زلزالاً سياسياً” داخل بنية السلطة الإيرانية، وتتلخص التداعيات في النقاط التالية:
أولاً: خسارة “العقل المفاوض” في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً دولية هائلة وحروباً مباشرة، تفقد طهران برحيله واحداً من أمهر مفاوضيها. لاريجاني كان يمتلك القدرة على تدوير الزوايا مع الغرب دون التنازل عن الثوابت، وغيابه قد يدفع النظام نحو “راديكالية” أكبر في اتخاذ القرار.
ثانياً: اختلال ميزان القوى الداخلي كان لاريجاني يمثل “التيار التقليدي المحافظ” الذي يثق به المرشد تماماً. رحيله يخلي الساحة تماماً أمام التيارات الأكثر تشدداً (جبهة الثبات)، مما قد يؤدي إلى صراعات خفية على المناصب السيادية التي كان يشغلها كمنصب مستشار المرشد وعضو مصلحة تشخيص النظام.
ثالثاً: ضربة للرمزية والشرعية اغتيال شخصية بهذا الثقل داخل أو خارج إيران يعد “خرقاً أمنياً” وضربة لرمزية النظام. لاريجاني ليس مجرد كادر فني، بل هو جزء من “النخبة المؤسسة” التي يصعب تعويض خبراتها التراكمية في إدارة الأزمات الكبرى.
رابعاً: مستقبل “خلافة القيادة” كان اسم لاريجاني يتردد دائماً كواحد من صانعي الملوك (Kingmakers) في ترتيبات مرحلة ما بعد المرشد الحالي. برحيله، تعاد صياغة خارطة النفوذ داخل “مجلس خبراء القيادة” والمؤسسات الدينية، مما قد يفتح الباب أمام وجوه عسكرية أكثر منها مدنية.
رحيل علي لاريجاني يغلق صفحة “الدبلوماسية الخشنة” ويبدأ صفحة مجهولة المعالم؛ حيث ستجد طهران نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والخارجية تحت ضغط النيران، وفي غياب أحد أكثر عقولها هدوءاً وقدرة على المناورة.
وجاء الإعلان عن مقتل لاريجاني في سياق عمليات “المفاجأة والحيل” التي تبناها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخراً.
وبالرغم من شح التفاصيل حول ملابسات العملية، إلا أن نعي مجلس الأمن القومي الإيراني له يثبت أن الاستهداف طال شخصية لا تعوض في “بنك العقول” الإيراني. غيابه ليس مجرد خسارة لمسؤول، بل هو ضربة لمنصب “مهندس الحلول” الذي كان يتولاه في الكواليس لربط خيوط السياسة الخارجية بالأمن القومي.
رحيل لاريجاني هو نهاية حقبة “الدبلوماسية العميقة”، وبداية مرحلة المواجهة العارية التي قد لا تترك مكاناً للمناورة أو تدوير الزوايا.

