لبنان بين نارين: هل يفتح التصعيد العسكري باب مفاوضات غير مسبوقة مع إسرائيل؟

الحرب على لبنان

تلاحقت الاحداث ولا تزال منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية في نهاية شباط الماضي، والتحاق “حزب الله” بها في 2 آذار الجاري. وتميزت فترة الاسبوعيّن التي مرّت على حرب لبنان الجديدة بذهاب الحكم اللبناني بدءا برئيس الجمهورية مرورا برئيس الحكومة بإعلان لبنان إستعداده للذهاب الى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بطريقة غير مسبوقة منذ ابرام اتفاقية الهدنة بين البلدين عام 1949.

وقد أرست تلك الاتفاقية استقرار استمر حتى العام 1969 عندما ابرم لبنان اتفاقية القاهرة التي سمحت للفلسطينيين بممارسة العمل المسلح انطلاقا من لبنان. كيف بدت آفاق هذا التطور الذي تنفرد حاليا بالحديث عنه إسرائيل بحرية تبدو الان معدومة في الجانب اللبناني؟

التفاصيل

يجيب على هذا السؤال الصحافي الخبير في الشؤون الإسرائيلية نظير مجلي في تقرير نشره في صحيفة الشرق الأوسط اليوم تحت عنوان “مفاوضات لبنان وإسرائيل… “إعلان سياسي” وعودة إلى الـ1701؟”.

وجاء في التقرير: “على رغم الأنباء المتفائلة حول إمكانية بدء مفاوضات الأربعاء المقبل بين لبنان وإسرائيل، حول خطة فرنسية لإعلان سياسي يكون أساساً لاتفاق “عدم اعتداء” يتطور “لاتفاق سلام” بين البلدين، بحسب ما نشر في تل أبيب، أعلن وزير الخارجية، جدعون ساعر، أنه لا توجد مفاوضات متوقعة في غضون الأيام القريبة. وقالت الخارجية الفرنسية إنه لا توجد مبادرة فرنسية أصلاً.

وقالت جهات سياسية في تل أبيب إن ساعر يعبّر عن شكل من أشكال المناورة الإسرائيلية التقليدية، التي ترمي إلى بلبلة العدو وتصعيد الضغوط على “حزب الله” والحكومة اللبنانية. وألمحت إلى أنها لن تبدأ مفاوضات قبل أن يوقف “حزب الله” هجماته على إسرائيل.

وقالت المصادر السياسية في تل أبيب إن الإدارة الأميركية طلبت من إسرائيل المساهمة الإيجابية في إطلاق المفاوضات بتخفيف ضرباتها على لبنان والامتناع عن استهداف البنى التحتية المدنية. وأضاف المصدر أن هذا الطلب قد تراجع، من بين أسباب أخرى، على خلفية قصف جسر الزرارية فوق نهر الليطاني. وأضاف أن الخطوط الحمراء التي رسمتها الولايات المتحدة لإسرائيل تقتصر على عدم استهداف مطار بيروت الدولي والمرفأ البحري في المدينة.

وقال تقرير لـ”القناة 12” الإسرائيلية إن المفاوضات ستجري حول إعلان سياسي يتضمن اعترافاً لبنانياً بإسرائيل مقابل اعتراف إسرائيلي بوحدة الأراضي اللبنانية، على أن يبدأ بوقف الحرب وبدء انسحاب إسرائيلي تدريجي. وعند التوقيع عليه تنسحب إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية.

الخطوط الحمراء التي رسمتها الولايات المتحدة لإسرائيل تقتصر على عدم استهداف مطار بيروت الدولي والمرفأ البحري في المدينة

وتابع أن الحكومة الفرنسية هي التي صاغت المقترح لإنهاء الحرب في لبنان، ويتضمن خطوة غير مسبوقة تتمثل في اعتراف لبناني بإسرائيل، حسبما قاطعته 3 مصادر مطلعة على التفاصيل. وبحسب المقترح، ستبدأ إسرائيل ولبنان، بدعم من الولايات المتحدة وفرنسا، مفاوضات حول “إعلان سياسي” يتم التوصل إليه خلال شهر.

يتقدم خيار الحرب البرية التي أعلنت تل أبيب رسميا اليوم عن انطلاقها

في موازاة ذلك، يتقدم خيار الحرب البرية التي أعلنت تل أبيب رسميا اليوم عن انطلاقها. وعممت المنصات الإخبارية الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يقول إنه بدأ “عملية برية مستهدفة ضد أهداف رئيسية” في جنوب لبنان، ما دفع المزيد من القوات إلى أعمق المنطقة كجزء من منطقة عازلة موسعة بعد أن بدأ “حزب الله” مهاجمة إسرائيل في وقت سابق من هذا الشهر وسط الحرب مع إيران.

وبدأت الفرقة الإقليمية 91 “الجليل” غارة في وقت متأخر من يوم السبت الماضي في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، حيث واجهت القوات عدة عناصر من “حزب الله” وقتلتها، وفقا للجيش. كما يقول الجيش الإسرائيلي إن العملية تهدف إلى توسيع “منطقة الدفاع الأمامية”.

“هذه العملية جزء من الجهود الرامية إلى إقامة دفاع متقدم، بما في ذلك تدمير البنية التحتية للإرهاب والقضاء على الإرهابيين العاملين في المنطقة، لإزالة التهديدات وخلق طبقة أمنية إضافية لسكان الشمال”، كما يقول الجيش.

وقبل أن تدفع القوات إلى المنطقة، أفاد الجيش الإسرائيلي أنه نفذ غارات جوية ضخمة وقصفاً مدفعياً “لإزالة التهديدات”. وفي الوقت نفسه، لا تزال فرقة الاحتياط 146 منتشرة في القطاع الغربي من جنوب لبنان، وتنفذ الفرقة 36 غارة في منطقة رب الثلاثين.

ويستعد الجيش الإسرائيلي لنشر المزيد من القوات في جنوب لبنان وتوسيع المنطقة العازلة لطرد تهديد “حزب الله” من الحدود.

ويسهب إيال زيسر في صحيفة يسرائيل هيوم في شرح أبعاد الحرب التي انطلقت إليها إسرائيل، فكتب يقول: “منذ انضمام “حزب الله” إلى المعركة إلى جانب إيران، وهو يمطر بلدات الشمال بوابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ووصلت صواريخه أيضاً إلى وسط البلد، وأصابت أهدافاً هناك؛ هذا كله يُعد دليلاً إضافياً على الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته إسرائيل في تشرين الثاني 2024 عندما وافقت على وقف إطلاق النار قبل حسم المعركة ضد “حزب الله”، وبذلك منحت التنظيم فترة استراحة استغلها لإعادة بناء قوته.

لقد أخطأنا عندما أوقفنا إطلاق النار بينما كان التنظيم في وضع صعب، وأخطأنا عندما افترضنا أن حكومة لبنان وجيشها سيقومان بالمهمة، نيابةً عنا، وينزعان سلاح التنظيم؛ كذلك أخطأنا عندما اعتقدنا أن نشاطنا المحدود ضده خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية يكفي لمنعه من استعادة قوته؛ إن كل ما يمكن فعله الآن هو الأمل بأننا تعلمنا شيئاً من هذه الأخطاء وعدم تكرارها هذه المرة.

دولة لبنان هي التي سمحت، نتيجة ضعفها، بنمو تنظيم “حزب الله”، وحتى اليوم لا تفعل شيئاً ضده

ومضى المقال إلى القول: “أولاً، يجب على إسرائيل أن تستوعب، مرةً واحدة وإلى الأبد، أنه لا يمكن الاعتماد على أحد في لبنان، وبالتأكيد ليس على حكومته، ولا على جيشه؛ صحيح أن اللبنانيين، في أغلبيتهم، يرون أن “حزب الله” دمّر بلدهم، لكنهم لن يحرّكوا ساكناً ضده لأنهم يفتقرون إلى الإرادة والقدرة على مواجهته؛ لذلك، فإن أي اتفاق يقوم على وهم أن الدولة اللبنانية ستعمل على نزع سلاح “حزب الله” سيكون خاطئاً.

ثانياً، يتضح أنه لا أساس للافتراض، أو ربما للقناعة السائدة في إسرائيل، بأن ل”حزب الله” اعتبارات عقلانية، وأنه يضع مصلحة أبناء الطائفة الشيعية نصب عينيه؛ فقيادة التنظيم لا تكترث لآلاف الشيعة النازحين، ولا للدمار الذي لحق بمنازلهم، تماماً مثلما لم يكترث يحيى السنوار للكوارث التي حلّت بسكان غزة.

لذلك، يسود الاعتقاد في إسرائيل أن الضغط الذي يمارسه مئات الآلاف من الشيعة الذين نزحوا من بيوتهم سيؤدي إلى هزيمة “حزب الله” لا يستند إلى أساس؛ لقد أثبت “حزب الله” ذلك، وقال علناً إنه مستعد للقتال ضدنا حتى آخر شيعي، وأن التاريخ هو الذي سيحكم عليه ويتذكره باعتباره صمد ونجا.

ثالثاً، هناك أهمية لصورة النصر في حروب العصر الحديث، والتي لن تتحقق عبر بيانات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بشأن تدمير منصة إطلاق أخرى للتنظيم، أو ضرب بعض فروع بنوكه في بيروت؛ إن إلحاق الضرر ب”حزب الله”، وبأملاكه، وكذلك بمؤيديه، يجب أن يكون أوسع كثيراً؛ فالتنظيم يملك أذرعاً سياسية واجتماعية واقتصادية لم تبدأ إسرائيل بالتعامل معها بعد.

رابعاً، إن دولة لبنان هي التي سمحت، نتيجة ضعفها، بنمو تنظيم “حزب الله”، وحتى اليوم لا تفعل شيئاً ضده، بل تمنحه عملياً غطاءً دولتياً داعماً، فهل يُعقل أن يوجّه التنظيم صواريخ نحو وسط تل أبيب، أو نحو خليج حيفا، بينما يستمر مطار بيروت وميناؤها، وكذلك شبكات الكهرباء والاتصالات في العمل كأن شيئاً لم يحدث؟

وبشكل غير مباشر، يسمح ذلك ل”حزب الله” بمواصلة القتال، وهذا كله لأن هناك في إسرائيل من يعتقد أن الدولة اللبنانية ستعمل ضد التنظيم. ومن هنا، فإن توجيه ضربة إلى دولة لبنان يعني في الواقع توجيه ضربة مباشرة إلى “حزب الله”.

إذا لم تغيّر إسرائيل نهجها واستمرت في فعل ما فعلته في الماضي، فلن تصل إلى أي نتيجة، وفي النهاية سيكون “حزب الله” هو من سيعلن النصر.”

خلاصة

يجب الاستعداد من الآن فصاعداً إلى مواكبة علو التوقعات وانخفاضها بشأن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل. وكان ملاحظاً في الأيام الأخيرة التركيز الإعلامي على موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري من التمثيل الشيعي في الوفد اللبناني إلى المفاوضات.

بري على حافة مواجهة مع “حزب الله” في حال انطلاق قطار المفاوضات رسمياً

ووفق معلومات خاصة أن بري هو الأكثر حماسة ضمنياً لهذه المفاوضات، لكنه لا يجاهر بهذه الحماسة ويُشهر تحفظاً لا ينطلي على أروقة صناع القرار في لبنان وخارجه. وتضيف هذه المعلومات أن بري على حافة مواجهة مع “حزب الله” في حال انطلاق قطار المفاوضات رسمياً.

وقد لوحظ في الإطار أن “حزب الله” لا يشن الآن على المفاوضات حملات كالتي شنها على قرار حصر السلاح في 5 آب الماضي، وكما فعل حيال قرار تجريد الحزب من صفقة العمل الأمني والعسكري في 2 الجاري.

وسيكشف تلاحق الأحداث نفسه الذي أسهبنا في الحديث عنه أن لبنان على مفترق مواجهة سياسية كبرى توازي المواجهة العسكرية، عنوانها المفاوضات التي تبدو أنها تمتلك عناصر البقاء والاستمرار أياً كان حجم اعتراض “حزب الله” عليها.

السابق
الكويت تعلن تفكيك خلية مرتبطة بـ «الحزب» تضم كويتيين ولبنانيين
التالي
كيف نجا مجتبى خامنئي.. قصة الصدفة التي منعت إسرائيل من اغتياله