مستقبل الحرب القائمة على إيران.. والخليج بين الطاقة والممرات الاستراتيجية

عبد المنعم يوسف

تتزايد المؤشرات على أن مخرجات الحرب الدائرة قد لا تُحسم بالمعايير العسكرية التقليدية، بل بالنتائج الاقتصادية والاستراتيجية التي ستترتب عنها. وبشكل متسارع اكثر مما كان متوقع.

ويرى محللون أن الولايات المتحدة بدأت تواجه جدياً تحدياً متصاعداً مصدره التحولات العميقة في النظام المالي والإقتصادي العالمي، والعلاقة الاعتمادية البينية القائمة بينها وبين منطقة الخليج العربي في مجالات الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا.

 • الطاقة وممر هرمز الحيوي

تشكل منطقة الخليج العربي أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار سوق الطاقة العالمي. حيث ان اكثر من ٧٥% من الاستهلاك العالمي من الغاز والبترول يجد مصدره في حقول دول مجلس التعاون الخليجي.

وتشير التقديرات إلى أن نحو ٨٠%  من صادرات النفط والغاز الخليجي تمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يضع هذا الممر البحري في قلب معادلة الأمن الاقتصادي والاجتماعي الدولي.

كما ان غالبية (حوالي ٩٣ %) هذه الصادرات تُسَدَّد بالدولار الأمريكي، ما يجعلها جزءاً بنيوياً من النظام المالي العالمي القائم على الدولار، ويؤكد في الوقت نفسه تشابك المصالح النقدية بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدةالأمريكية.

 • تدفقات مالية من الخليج إلى الداخل الأمريكي

يتضح من بيانات الاستثمار الدولي أن ما لا يقل عن ٦٠%  من العائدات الخليجية من تصدير الطاقة يُعاد ضخّه، بأشكالٍ مختلفة، في الاقتصاد الأمريكي بطريقة مباشرة أو عبر صناديق سيادية واستثمارات مالية. هذه المعادلة وفّرت على مدى عقود أحد عناصر التوازن غير المعلن في العلاقات الأمريكية الخليجية، لكنها تضع أيضاً الاقتصاد الأمريكي أمام مخاطر هيكلية في حال تم تجفيف مصادر هذه التوظيفات المالية، او أعادت تلك الدول توجيه استثماراتها نحو وجهات بديلة.

 • الذكاء الاصطناعي على خط التمويل الخليجي

تُعد شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية من أكبر المستفيدين من رؤوس الأموال الخليجية خلال السنوات الأخيرة.

إذ ان استثمارات الصناديق السيادية الخليجية في واشنطن ووادي السيليكون او في شراء الاسهم المتبادلة في بورصة التكنولوجيا الامريكية هي الركيزة المالية الرئيسية في تمويل توسعة وتطوير هذه التقنيات، وايضا تمويل هذه الطفرة التقنية الراهنة.

ويحذر خبراء من أن أي تباطؤ في هذا التمويل أو تحوّله نحو أسواق آسيا قد يؤدي إلى تباطؤ واسع في قطاع التكنولوجيا الأمريكي وربما إلى تصحيحات حادة في سوق الأسهم المرتبطة بقطاع التقنية. وقد يصل الأمر إلى إفلاس عدد من الشركات الامريكية الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي.

 • الأثر على مراكز خليجية للابتكار العالمي والنتائج الاحتمالية على المستوى الأوسع

تسعى كل من الإمارات وقطر والسعودية إلى لعب دور أساسي في مستقبل الذكاء الاصطناعي العالمي ومستقبل المراكز العملاقة للبيانات الرقمية الضخمة في العالم، معتمدةً بشكل أساسي على مشاريع وطنية ضخمة وآليات إستثمارية معقدة وغير مسبوقة وانفتاح على الشراكات الإستراتيجية مع الشركات الامريكية الكبرى المعروفة. وقد أصبحت مدن مثل أبوظبي والدوحة والرياض منصاتٍ رئيسيةً لتطوير البنى التحتية الرقمية وحاضنات الابتكار، ما منح المنطقة وزناً متزايداً في تمويل وإنتاج آليات الاقتصاد المعرفي العالمي المرتبط ارتباطاً مباشراً وأحادياً مع الشركات التقنية الأمريكية الكبرى المتخصصة.

 • هشاشة الإمدادات وأمن المياه

تعتمد المجتمعات الخليجية في الحياة اليومية في دول مجلس التعاون الخليجي على الإستيراد لتلبية ما يزيد على ٨٠ %  من حاجاتها الاستهلاكية وحاجيات الحياة بشكل اوسع، ومعظم هذه السلع تمر عبر مضيق هرمز.

كما أن ما لا يقل عن ٩٠ % من المياه العذبة التي تُستهلك في هذه المنطقة يتم إنتاجها بشكل صناعي من محطات تحلية مياه البحر. فيما لا تتجاوز المخزونات الإحتياطية الاستراتيجية من المياه العذبة في دول مجلس التعاون الخليجي ثلاثة أسابيع فقط من الحاجة الوطنية.

يُبرز ذلك مدى حساسية الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي في المنطقة لأي اضطراب بحري أو تكنولوجي أو سياسي أو اعتداء على محطات تحلية المياه المالحة، طويل الأمد.

 • قراءة استراتيجية أوسع

تؤكد هذه المعطيات أن الحرب الحالية القائمة في الخليج نتيجة الاعتداء الأمريكي والاسرائيلي على إيران، وما يتهدد مضيق هرمز، والضربات العسكرية المتزايدة من قبل إيران على دول التعاون الخليجي، ليست حرباً تُدار على الخريطة العسكرية فقط، بل هي أيضاً حربٌ في أسواق الطاقة وحركة رؤوس الأموال وآليات الاستثمار في تكنولوجيات المعلومات الامريكية ومستقبل الشركات الامريكية للذكاء الاصطناعي وطرق وحركة انتقال ووسائل سير المواد الاستهلاكية الحياتية ووسائل تامين المياه العذبة للمجتمعات الخليجية، وما تعكسه من هشاشة التوازن القائم. وحتما على مدى الخسارة الهائلة التي قد تضرب الاقتصاد الداخلي الأمريكي من جهة، وقوة موقعها في منطقة الخليج، وإمكانية حقيقية في خسارة الحرب التي بداتها في المنطقة.

كل المعطيات الاستراتيجية الاقتصادية والمالية العالمية القائمة، و الاتجاهات الجيوستراتيجية الراهنة، في منطقة الخليج والشرق الأوسط، تشير إلى بروز نظام مالي عالمي أكثر تنوعاً، تتقاسم فيه واشنطن وبكين والهند وأوروبا والخليج مواقع النفوذ. وتشارك فيه ايضا “القدرة على الأذى” التي تملكها إيران.

وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن مستقبل القوة العالمية سيتحدد عبر الاقتصاد، لا عبر السلاح. وأن منطقة الخليجي العربي ستظل عنصراً محورياً في رسم هذا التوازن لعقود قادمة. وإن أي ضرب او حصار او إنهيار لإقتصاديات هذه الدول تحديداً قد يتسبب بخسارة الحرب من قبل الولايات المتحدة الأمريكية  وربما خروجها نهائيا من منطقة الخليج.

السابق
استشهاد شقيق الزميل داود رمال وزوجته جراء تدمير منزليهما في غارة على الدوير
التالي
غارة على تقاطع مارمخايل… إصابة جنود إسرائيليين وتحذير من أدرعي بشأن أموال «القرض الحسن»!