في الوقت الذي يحبس فيه اللبنانيون أنفاسهم، يراقبون بعيون قلقة طبول الحرب الإقليمية وهي تُقرع بين واشنطن وطهران، وفي اللحظة التي ينتظر فيها المواطن اللبناني من قواه السياسية والمسلحة كلمة طمأنة واحدة تؤكد أن “لبنان أولاً”، يأتي التصريح المنسوب لمسؤول في “حزب الله” لوكالة “فرانس برس” ليصفع السيادة اللبنانية في الصميم، ويؤكد من جديد أن “بوصلة الضاحية” لا تقرأ خرائط بيروت، بل تُدار بمحرك أيديولوجي يتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية.
الخط الأحمر الضائع
لقد وضع مسؤول الحزب معادلة غريبة في توقيتها ومضمونها: “الحياد تجاه الضربات المحدودة، والتدخل في حال استهداف المرشد الأعلى”.
هنا يطرح اللبنانيون سؤالاً وجودياً مشروعاً: أين يقع لبنان في منظومة الخطوط الحمراء هذه؟ ولماذا يُرهن مصير ستة ملايين لبناني، واقتصاد منهار، وبنية تحتية متهالكة، من أجل أمن مسؤول في دولة أخرى، مهما بلغت قيمته الرمزية لدى طائفة أو حزب؟
إقرأ أيضا: علي الأمين: الثنائي الشيعي يهرب من استحقاق الانتخابات.. وإيران أمام خيار الاتفاق أو السقوط
إن المنطق الذي يتحدث به “الحزب” يرسخ فكرة “الساحة” لا “الدولة”. فأن يعلن فصيل لبناني استعداده لجر البلاد إلى محرقة كبرى دفاعاً عن “شخص” أو “نظام” في الخارج، هو بحد ذاته إلغاء لمفهوم السيادة الوطنية، واعتراف صريح بأن قرار الحرب والسلم في لبنان ليس رهناً بالمصلحة اللبنانية العليا، بل هو ورقة تفاوضية في يد المشروع الإيراني.
لبنان: الوطن أم صندوق البريد؟
الخط الأحمر الوحيد الذي يجب أن يعلو فوق كل اعتبار هو لبنان؛ حدوده، شعبه، استقراره، وسيادته. غير أن الحزب، بتصريحه الأخير، رسم حدوداً حمراء وهمية تبدأ من طهران وتمر بالضاحية، متجاهلاً أن اللبنانيين، بمختلف انتماءاتهم، لم يعد لديهم القدرة على دفع فواتير “الإسناد” أو “الدفاع عن المحاور”.
إن تجربة “إسناد غزة” المريرة، وما خلفته من دمار في الجنوب ونزوح وقتل، كان يجب أن تكون درساً في “الواقعية السياسية”.
لكن يبدو أن الحزب يصر على الهروب للأمام، واضعاً “المرشد” في كفة، ولبنان بكامله في كفة أخرى. هذه المقاربة لا تسيء للسيادة فحسب، بل تعمق الشرخ الوطني وتجعل من الشريك في الوطن “جندياً في ولاية الفقيه”، لا مواطناً يحميه الدستور وتلتزم مؤسساته بقرار الدولة المركزية.
سقوط الهيبة واهتزاز الحاضنة
ما لم يلحظه مسؤول الحزب في تهديده المشروط، هو أن “البيئة الحاضنة” نفسها باتت تعيش حالة من التململ والسخط.
فاللبناني الذي دُمر منزله وفقد لقمة عيشه في حروب “الآخرين”، يسأل اليوم بمرارة: هل سنموت مجدداً من أجل طهران؟.
إن السخط الذي يُهمس به في أزقة الجنوب والبقاع والضاحية يؤكد أن قدسية “الخطوط الحمراء” الخارجية بدأت تتآكل أمام قدسية “البقاء” وتأمين لقمة العيش الكريمة.
لقد نجحت “عين التينة”، كما تشير التقارير، في فرض جرعة من الواقعية مؤخراً، لكن هذا التصريح لـ”فرانس برس” جاء لينسف تلك الجهود، ويعيد التأكيد على أن الحزب يجد نفسه ملزماً أخلاقياً وعسكرياً بإيران أكثر من التزامه بالدولة اللبنانية التي يشارك في حكومتها وبرلمانها.
السيادة ليست وجهة نظر
إن السيادة اللبنانية ليست مطلباً فئوياً، بل هي ميثاق وطني. وحماية لبنان لا تكون برهن قراره العسكري بمصير أنظمة خارجية.
إذا كانت الولايات المتحدة أو إسرائيل بصدد توجيه ضربات لإيران، فإن دور القوى اللبنانية هو تحصين الداخل، والالتفاف حول المؤسسات العسكرية الشرعية، والنأي بالنفس فعلياً لا قولاً، لمنع تحويل لبنان إلى ركام مجدداً.
إن “الخط الأحمر” الحقيقي هو كرامة المواطن اللبناني، وهو عدم السماح لأي طائرة أو صاروخ بأن ينطلق من أرضنا ليجر علينا الويلات. أما زج لبنان في صراع “حماية المرشد”، فهو مقامرة بمصير وطن بأكمله من أجل أيديولوجيا عابرة للحدود.
العودة إلى لبنان
آن الأوان لـ”حزب الله” أن يدرك أن لبنان ليس مجرد “ثكنة متقدمة”، وأن اللبنانيين ليسوا “دروعاً بشرية” لمشروع إقليمي، وأن السيادة اللبنانية يجب أن تكون هي الخط الأحمر الوحيد والنهائي.
إن الدفاع عن المرشد أو النظام في إيران هو شأن إيراني بحت، أما الدفاع عن لبنان فهو شأن اللبنانيين وحدهم، ولا يمكن تحت أي ظرف من الظروف أن يظل لبنان الضحية الدائمة على مذبح المصالح الإقليمية.
لقد اختبر لبنان حروب الآخرين على أرضه طويلاً، واليوم، وسط هذا الانعطاف التاريخي، ليس أمامنا إلا “اللبنانية الصرفة” سبيلاً للنجاة. فهل يعود الحزب إلى لبنان، أم يظل أسير “خطوط حمراء” لا تنتهي إلا بخراب ما تبقى من الوطن؟

