تحولت محافظة الضالع، المعقل الاستراتيجي للحراك الجنوبي الإثنين الفائت، إلى ساحة لـ “بركان بشري” هادر.
واحتشد آلاف الجنوبيين في تظاهرة مليونية أطلق عليها “مليونية الثبات والصمود والتحدي”، ليرسلوا من خلالها رسائل حازمة تجاوزت حدود الجغرافيا اليمنية لتصل إلى أروقة القرار المعنية بالشأن اليمني.
ولم تكن هذه التظاهرة مجرد احتجاج مطلبي، بل كانت إعلاناً دستورياً شعبياً يرفض الوصاية ويتمسك بحلم “استعادة الدولة”.
فمنذ ساعات الفجر الأولى ليوم الإثنين، تدفقت الحشود من مختلف مديريات الضالع ومن المحافظات الجنوبية المجاورة (لحج، عدن، أبين) صوب مركز المحافظة. غطت أعلام دولة الجنوب الساحات، وارتفعت صور رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، القائد عيدروس الزُبيدي، وسط هتافات ترفض ما وصفه المتظاهرون بـ “المؤامرات التي تحاك في الغرف المغلقة”.
وجاءت هذه المظاهرة رداً مباشراً على الأنباء المتداولة حول “تفاهمات الرياض” الأخيرة، والتي تضمنت بنوداً وُصفها المحتجون بـ”الهزلية”، وعلى رأسها حل “المجلس الانتقالي الجنوبي”.
وأكد المتظاهرون في شعاراتهم أن الانتقالي ليس مجرد كيان سياسي يمكن حله بقرار، بل هو “إرادة شعب” لا تقبل المساومة.
البيان الختامي: دفاع عن البقاء وسيادة لا تقبل التجزئة
وأصدرت التظاهرة بياناً ختامياً شديد اللهجة، اعتبر أن الدفاع عن الثوابت الوطنية الجنوبية لم يعد محض اختيار، بل هو “مسألة حتمية حربية” ترتبط بوجود الشعب الجنوبي نفسه. وأبرز ما جاء في البيان كان موجهاً للمجتمع الدولي والإقليمي، حيث شدد على النقاط التالية:
وأعلن المتظاهرون رفضهم القاطع لأي قرارات تتخذها الحكومة اليمنية أو المجلس الرئاسي برئاسة رشاد العليمي تهدف إلى حل المجلس الانتقالي، معتبرين أن أي توقيعات جرت في الرياض تحت “ظروف غير طبيعية” هي والعدم سواء، وليست ملزمة لشعب الجنوب.
وأكد البيان أن القوات المسلحة والأمنية الجنوبية هي “الخط الأحمر” الذي لا يمكن تجاوزه، وهي عصية على “التطويع” أو الدمج الذي يفرغها من عقيدتها الوطنية، محذراً من أن المساس بهذه القوات يهدد أمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة، كونها الشريك الفعلي في مكافحة الإرهاب.
وجدد المحتجون تمسكهم بهدف “استعادة دولة الجنوب” بحدود ما قبل عام 1990، معتبرين أن إرادتهم حرة ولا تقبل الوصاية من أي طرف إقليمي أو دولي.
رسائل إلى “الرئاسي” والإخوان: الجنوب جسد واحد
لم يخلُ الحشد من نبرة تصعيدية ضد “حزب الإصلاح” (الإخوان المسلمين) ورئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، حيث اتهمهم المتظاهرون بمحاولة “تمزيق اللحمة الجنوبية” عبر سياسات التهميش والاعتقالات وتكميم الأفواه، خاصة في حضرموت وشبوة.
وأعلن أبناء الضالع تضامنهم المطلق مع إخوانهم في الوادي والساحل، مؤكدين أن “الجنوب جسد واحد من المهرة إلى باب المندب”.
مستقبل الحوار: “لا حوار تحت ظلال المسيرات”
وفي فقرة لافتة، حدد البيان شروط الحوار الجنوبي-الجنوبي المستقبلي، مشيراً إلى أن أي حوار لا يمكن أن يثمر إذا جرى تحت “تهديد السلاح أو تحليق الطائرات المسيرة” أو الإملاءات الخارجية.
وطالبوا بأن يرتكز الحوار على قاعدة “حق تقرير المصير” والاعتراف بالواقع الجديد الذي فرضته القوات الجنوبية على الأرض.
وتأتي هذه المليونية في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية كبرى في البحر الأحمر وباب المندب.
ويهدف توقيت التظاهرات في الضالع” إلى إظهار حجم الحاضنة الشعبية للمجلس الانتقالي في مواجهة أي محاولات لتغيير موازين القوى ضمن الحكومة المعترف بها دولياً، وتوجيه رسالة للمبعوث الأممي والقوى الكبرى بأن أي تسوية سياسية تتجاوز “قضية شعب الجنوب” ستصطدم برفض شعبي عارم قد يؤدي إلى تفجير الموقف عسكرياً.
وتزامنت المظاهرة مع رفع حالة الاستعداد في الجبهات القتالية الحدودية (سناح وكرش)، مما يوحي بأن الخيار الشعبي مدعوم بجاهزية عسكرية لفرض “الأمر الواقع”.
انتهت مليونية الضالع، لكن صداها لا يزال يتردد في المحافظات المجاورة، حيث من المتوقع أن تشهد عدن والمكلا تحركات مشابهة خلال الأيام القادمة.
الرسالة كانت واضحة ومختصرة في لافتة كبرى رفعت وسط الساحة: “الأرض أرضنا والقرار قرارنا”، وهي عبارة تلخص المشهد الجنوبي في مواجهة كافة الصيغ السياسية التي تحاول القفز فوق تطلعات الشارع.

