في هذا البلد حيث تُستعار الكلمات لتغطية الفراغ وتُستبدل المعاني على مهل تصبح الحقيقة عرضة للخطف… ليس فقط السياسة ولا الدين ولا الانتماء… بل حتى القيم الأساسية كالشجاعة والوفاء والكرامة…. كلها قابلة للسرقة بصمت بلا صخب وبلا صراخ..
كل من يقف مستقيمًا ويرفض الاصطفاف الأعمى يصبح هدفًا لصياغة جديدة لمعناه…
يُقال له: “أنت تبحث عن دور”…
يُقال له: “أنت خارج القانون”….
ويُغيب السؤال الأهم، لماذا نقف في الصف أصلاً؟
الخطف لا يتم بالسلاح ولا بالصرخة بل بالوعي الجمعي المشوّه وبإعادة تعريف الكلمات وبتحويل الرموز إلى ممتلكات. ومن يختطف المعنى يربح مرتين: الأولى لأن الناس تتبع الظاهر، والثانية لأن الحقيقة تُهمش بهدوء فلا يبقى من الوقوف المستقل إلا فراغ كبير… فراغ ينتظر أن يُملأ بمن يعرف كيف يصنع الضجيج.
الأحزاب والجماعات في لبنان تعلم هذا جيدًا. لا تخاف ممن يقول الحقيقة، بل تخاف ممن يظل صامتًا مع الاحتفاظ بوجهه مستقيمًا…
أما المستقل… فهو يربكهم ويحرجهم ويذكّرهم أن ما يملكونه ليس الحق بل القدرة على تحويل الآخرين إلى خرافٍ مطيعة.
المستقل… فهو يربكهم ويحرجهم ويذكّرهم أن ما يملكونه ليس الحق
النقد ليس هجاءً والسخرية ليست صرخة، لكن من يعرف كيف يقرأ بين السطور سيرى الوصف واضحًا، هؤلاء الذين يسرقون شجاعة الآخرين ويبيعون الرموز ويحوّلون الإرث إلى غنيمة.. ولأننا نعيش زمن الخطى السريعة والقلوب الضعيفة، فإن مجرد الامتناع عن التصفيق يصبح فعلًا ثوريًا.
ليس تمردًا صاخبًا بل وقوفًا نزيهًا صامتًا، يلسع من يعرف كيف يفهم.
الاستقلال ليس بطولة، لكنه ضرورة أخلاقية حين يتحوّل الانتماء إلى صف أعمى وحين يصبح التفويض للرموز والمؤسسات احتكارًا للمعنى.
من يظن أن العالم يستسلم لمن يرفع صوته أو يصفّق على الإيقاع فهو واهم
أما من يظن أن العالم يستسلم لمن يرفع صوته أو يصفّق على الإيقاع فهو واهم…
فالدهر في لبنان يطعن بالكرام، لكنه لا يستطيع أن يسرق جوهر من يعرف قيمة قلبه ووضوح فكره..

