شكلت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الأخيرة إلى القرى الحدودية في جنوب لبنان، مادة دسمة للقراءة السياسية، خاصة في ظل التبدل الدراماتيكي في سلوك “الثنائي الشيعي” تجاه رئاسة الحكومة. وفي قراءة لهذا المشهد، اعتبر الكاتب والصحافي علي الأمين أن الزيارة، وإن كانت ضرورية في توقيتها، إلا أنها تعكس صراعاً خفياً بين محاولة الدولة استعادة سيادتها وبين إصرار “الدويلة” على استثمار الخدمات لتعزيز بقائها.
تبدّل المشهد الميداني: من “التخوين” إلى “التزاحم على الصورة”
توقف الأمين عند التناقض الصارخ في تعاطي حزب الله مع شخص نواف سلام؛ فبعد سنوات من حملات التخوين والشعارات التي وصفت رئيس الحكومة بـ”العمالة”، ظهر نواب الحزب وحركة أمل في الزيارة الأخيرة وهم “يتزاحمون” لالتقاط الصور إلى جانبه.
الهوية الشيعية اللبنانية، التي تمتاز تاريخياً بالتنوع والرحابة والانخراط في مؤسسات الدولة، بدأت تستعيد عافيتها
يرى الأمين أن هذا المشهد “الكاريكاتيري” ليس نابعاً من مودة مستجدة، بل هو تعبير عن حالة “حصار وعزلة” يعيشها الثنائي. فبعد التدمير الهائل الذي طال عيتا الشعب، كفركلا، بنت جبيل، ومروحين، وعجز الحزب عن الوفاء بوعود إعادة الإعمار، وجد الثنائي نفسه مضطراً للاحتماء بظلال الدولة. إن “الاعتداد” الذي كان يظهره الحزب بكونه صاحب القرار الوحيد في الجنوب بدأ ينكسر، ليتحول إلى رغبة في إظهار الشراكة مع الزائر الرسمي بعد أن فقدت طهران قدرتها على التمويل المباشر للإعمار.
مجلس الجنوب والزبائنية: خدمات في عهدة الدويلة
لم يغفل الأمين الجانب المؤسساتي، منتقداً استمرار العمل بعقلية “الزبائنية” من خلال مجلس الجنوب. ورغم أن الحكومة صرفت مبالغ كبيرة للمجلس (نحو 90 مليون دولار في السنتين الماضيتين، مضافاً إليها 67 مليون دولار مؤخراً)، إلا أن الأمين أكد أن هذه المؤسسة، وإن كانت رسمية في الشكل، فهي تعمل كـ”مؤسسة حزبية” تابعة لحركة أمل، وتستخدم التعويضات لتعزيز التبعية والمحاصصة.
إقرأ أيضا: سوريا الحرّة (2): مقام السيدة زينب.. بحماية الأمويين
وشدد الأمين على أن حصر التعويضات بهذه القنوات يهدف إلى القول للمتضررين إن “الثنائي هو صاحب القرار في دفع الأموال”، داعياً الدولة إلى تغيير هذه الصورة عبر اعتماد آليات شفافة تخضع للمحاسبة والتدقيق، وهو ما يفتقر إليه مجلس الجنوب تاريخياً.
المعادلة السيادية: لا تجزئة في مفهوم الدولة
وفي رده على تساؤلات حول جدوى الدخول الخدماتي للدولة دون الدخول السيادي، أكد الأمين أن “منطق الدولة لا يتجزأ”. فالدولة لا يمكن أن تكون مسؤولة عن الإعمار والتعويضات بينما تظل محرومة من قرار الحرب والسلم. واعتبر أن بقاء سلاح حزب الله هو استمرار للأزمة، بل إنه يوفر ذريعة لإسرائيل لمواصلة ضرباتها.
قرار دولة الكويت الأخير بتصنيف مؤسسات صحية تابعة للحزب على لائحة الإرهاب، “مؤشر خطير” يتجاوز الجغرافيا الكويتية
وطالب الأمين بضرورة وجود “حضور فعلي” للجيش اللبناني، منتقداً غياب الحواجز والمظاهر العسكرية للدولة في مساحات شاسعة من الجنوب (مثل قضاء بنت جبيل)، مشيراً إلى أن المواطن يحتاج لأن يشعر بهيبة الجيش وسلطته الفعلية على الأرض، وليس مجرد حضور شكلي، لكسر حاجز الخوف والتبعية.
التصنيف الكويتي: حزب الله “منظمة إرهابية” بمجملها
وحول قرار دولة الكويت الأخير بتصنيف مؤسسات صحية تابعة للحزب على لائحة الإرهاب، رأى الأمين أن هذه الخطوة “مؤشر خطير” يتجاوز الجغرافيا الكويتية. وأوضح أن شمول المؤسسات المدنية والاجتماعية بالتصنيف يعكس تحولاً عربياً ودولياً نحو تجريم الانتماء للحزب بمجمله، وعدم الفصل بين “جناح عسكري” و”جناح مدني”، مما يمهد لمرحلة من “الاقتلاع” القانوني والمالي للمنظومة التابعة للحزب.
البيئة الشيعية: سقوط الأوهام وعودة التعددية
وفي تحليل لعمق التغيير داخل الطائفة الشيعية، أكد الأمين أن “عقيدة السلاح” لم تعد كافية لحماية الانتماء للحزب. فبعد صدمة الحرب الأخيرة وانكشاف الحزب أمام الضربات الإسرائيلية، تلاشت “جبال الأوهام” حول القوة المطلقة.
ويرى الأمين أن الالتفاف الشيعي المتبقي حول الحزب يرتكز على عنصرين:
- الارتباط المادي: وجود نحو 100 ألف شخص يتقاضون رواتبهم من الحزب ويدافعون عن “قوت يومهم”.
- سيكولوجية التخويف: الخطاب الذي يروج بأن نزع السلاح سيجعل الشيعة لقمة سائغة للآخرين.
ومع ذلك، جزم الأمين بأن الهوية الشيعية اللبنانية، التي تمتاز تاريخياً بالتنوع والرحابة والانخراط في مؤسسات الدولة، بدأت تستعيد عافيتها. واصفاً الحقبة الإيرانية بأنها “جملة اعتراضية” دامت 40 عاماً لكنها غير قابلة للاستمرار في ظل الانكفاء الإقليمي الإيراني وسقوط أذرعها في المنطقة.
الاستحقاق الانتخابي: هل يكون التغيير ممكناً؟
وفيما يخص الانتخابات النيابية، أبدى الأمين تشككاً في إمكانية إجرائها في مواعيدها أو نزاهتها تحت سطوة السلاح.
إقرأ أيضا: رحيل «القبعات الزرقاء»: جنوب لبنان في مهب الفراغ الاستراتيجي!
ورأى أن أي انتخابات تجري في ظل الهيمنة الحالية ستكون “نتائجها غير شرعية”. ومع ذلك، توقع في حال إجرائها أن يشهد التمثيل الشيعي خروقات نوعية، مؤكداً أن زمن الـ”27 نائباً” (كتلة الثنائي الصافية) قد انتهى، وأن الناس باتت متعطشة لخروج من شرنقة الاحادية السياسية، بمعزل عن نتائج صناديق الاقتراع التي قد يكبّلها السلاح.
ختم الأمين قراءته بالتأكيد على أن لبنان والمنطقة يمران بمسار تغيير استراتيجي لا يمكن وقف عجلته، بانتظار ما ستسفر عنه اللقاءات الدولية الكبرى (مثل لقاء نتنياهو وترامب المرتقب) والتي سيكون لها انعكاس مباشر وحاسم على الداخل اللبناني وصيغة الحكم فيه.

