الساحة الشيعية وتبدّل المزاج الانتخابي

الانتخابات النيابية

ثمة واقع بأن مزاج المواطنين اللبنانيين، والشيعة منهم على وجه الخصوص، قد بدأ يشهد تبدلًا وواقعًا جديدًا في المزاج الانتخابي، والذي بدا لسنواتٍ طوال أنه جامد وممسوك بعوامل الترهيب والترغيب من قِبل ثنائي السلاح والفساد المتمثل في حركة أمل – حزب الله، والذي يسيطر بالحديد والنار بالتضامن مع سلاح الفساد. حيث استفاد هذا الثنائي من مصادرة قرار أبناء الطائفة الشيعية واحتكار تمثيلهم على مدى أربعة عقود، وتحديدًا منذ بداية تسعينات القرن الماضي.

عوامل التبدل في المزاج الانتخابي الشيعي

وقد ساهمت عوامل عدة في دفع بدايات تبدل في المزاج الانتخابي للبنانيين الشيعة في عدد من المناطق والساحات على مستوى أبناء الطائفة الشيعية، وذلك نتيجة عوامل عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر، ما حدث نتيجة المغامرات القاتلة لحزب الله، وانكشاف كمية الفساد المتنامي من قِبل ممارسات قيادة حركة أمل في الفساد، والمحصور بفئة محدودة مستفيدة من قربها من مركز القوة الذي يمثله رئيس الحركة ورئيس المجلس النيابي الحالي نبيه بري، بالتعاون مع بعض التواطؤ من قِبل المؤسسة الرسمية للدولة اللبنانية، والتي تقوم بعملية تلزيم كل خدمات وأعمال تخص الطائفة الشيعية لذلك الثنائي البغيض، الذي يحتكر تمثيل الشيعة في النيابة والوزارة، وكل عملية توظيف تتطلب وجود شيعي محصورة بأزلام ومحاسيب ذلك الثنائي.

أثر حرب الإسناد والانتخابات السابقة

ولكن بعد مغامرة حرب الإسناد الأخيرة وشبه الهزيمة التي تلقاها حزب الله، والتي تسببت في صدمة إيجابية في الوعي والوجدان الشيعي، مع ما تم البناء عليه من بعض الخروقات في انتخابات العام 2022 في الدائرة الثالثة من محافظة النبطية.

وبذلك أصبحت عملية إمكانية خرق الحظر والحصار الشيعي من قبل الثنائي سهلة في بعض المناطق التي يتواجد فيها أبناء الطائفة الشيعية على امتداد مساحة الوطن، وهذا الخرق قد يكون سهلًا وفي متناول اليد، إن كان حلفاء المعارضين الشيعة صادقين وفعليًا مستعدين لبداية معركة التغيير بالفعل، وليس بالكلام فقط.

إمكانات الخرق في دوائر جبل لبنان

فمثلًا، في دائرة جبيل من محافظة جبل لبنان قد يكون أكثر سهولة أن يتم خرق التمثيل الشيعي، لأن المرشح الذي قد يفوز فيها أساسًا يفوز بأصوات المواطنين المسيحيين وليس الشيعة فحسب، كون المواطنين الشيعة أقلية فيها. كذلك في دائرة بعبدا من محافظة جبل لبنان، كون المرشح الشيعي قد يفوز أيضًا بدعم من المواطنين اللبنانيين من أبناء الطوائف المسيحية والدروز، إن أحسنت قيادة المعارضة اللبنانية في حسن اختيارها وحسن إدارة المعركة الانتخابية فيها.

الجنوب: النبطية وصور والزهراني

أما على مستوى دوائر الجنوب، فقد يكون الخرق ممكنًا في الدائرة الثالثة من محافظة النبطية، نتيجة ما تبقى من وجود تاريخي لأحزاب الحركة الوطنية سابقًا واليساريين، خاصة في قضائي بنت جبيل ومرجعيون – حاصبيا، حيث حصل الخرق في انتخابات العام 2022 في كل من المقعدين المسيحي الأرثوذكسي الذي يمثله إلياس جرادي، والدرزي الذي يمثله فراس حمدان.

وبذلك تكون أيضًا إمكانية النجاح للصوت المسيحي، والذي يُعتبر الثقل المسيحي في تلك المنطقة، معقودة لكل من حزبي القوات اللبنانية وحزب الكتائب، وإمكانية الخرق بالمقعد الشيعي سهلة أيضًا.

أما في الدائرة الثانية من محافظة الجنوب، وهي دائرة مختلطة وتشمل قضائي صور والزهراني مع قرى وبلدات شرق صيدا المسيحية، ويمثل فيها الصوت المسيحي والصوت السني قيمة مضافة، إن أمكن استعمال إدارة جيدة للمعركة، ونية صادقة بكسر حصرية التمثيل واحتكاره من قبل ثنائي السلاح والفساد أمل – حزب الله، والذي استمر لفترة أربعة عقود.

دور المرشحين الشيعة والمعارضة

ولكن في كل ذلك يعتمد الأمر ليس على الأصوات الداعمة من قبل حلفاء المعارضين الشيعة، وخصوصًا الصوت المسيحي والصوت السني، بل على المرشحين الشيعة تحديدًا، وحسن اختيارهم، ونتيجة عملهم السياسي وممارساتهم على أرض الواقع في التعامل مع مواطنيهم بمنطق سياسي متقدم، بعيدًا عن مفهوم انكسار أبناء البيئة المؤيدة للثنائي وهزيمتها في الحرب الأخيرة، بل على فهم التطورات الحاصلة، وإمكانية فهمهم للسياسة على أنها عمل تراكمي، وليست أعمالًا موسمية.

ولا سيما أن بعض الأشخاص الذين ينوون أو يرغبون في الترشح يعتبرون الانتخابات باب رزق يستفيدون منها، ولا يُشكّل طموحهم في الفوز أي عامل، لأنهم طارئون على العمل السياسي، أو هم من خلفية لا دخل لها في السياسة والعمل السياسي.

المسؤولية السياسية والرهان على الدولة

في كل ذلك، الأمل معقود على أبناء الطائفة الشيعية في حسن اختيار المرشحين المعارضين للثنائي البغيض الذي يحتكر التمثيل الشيعي، وعلى السلطة أيضًا، والمتمثلة في عهد الرئيس جوزاف عون وحكومة الرئيس نواف سلام، وما يعتقده اللبنانيون على أنها حكومة إصلاح وتغيير، أن يُحسنوا التصرف في إدارة عملية انتخابية حقيقية، بعيدًا عن المحاباة، وأن تكفّ عن تلزيم كل ما يخص أبناء الطائفة الشيعية بثنائي السلاح والفساد، كما حدث في فترة تشكيل الحكومة الحالية وما تبعها من تعيينات حُوّلت كلها لأزلام ومحاسيب الثنائي، الذي بسلاحه وفساده يستقوي على أبناء طائفته الشيعية، والتي هي غنية بالكفاءات والنخب المستقلة عن ذلك.

السابق
منخفض جوي سريع يبدأ غداً مع امطار وثلوج على 1400 متر
التالي
إيران تصدر توجيها ببدء المفاوضات مع الولايات المتحدة