ليس التاريخ مجرَّد سجلٍّ للأحداث الماضية، ولا سلسلة وقائع تنتهي بانقضائها الزمني، بل هو مساحة تشكُّل الإنسان في وعيه وهويته وإدراكه لذاته وحريته. فالإنسان لا يعيش في التاريخ، بل يعيش به ومن خلاله. هو نتاج تاريخي بامتياز، لا يفكر خارج التاريخ ولا يمكنه الوقوف خارجه ليتأمله، لكون الحقيقة الإنسانية معطى تاريخيًا وبناءً سرديًا يتشكّل داخل تقاليد تاريخية محددة. فلا يمكن للإنسان أن يحدّد ما ينبغي عليه فعله، ما لم يفهم القصة التي يعيشها، والقيم التي ورثها، والغايات التي تمنح حياته وحدة داخل الزمن.
التاريخ بوصفه شرط الوعي والهوية
هذا لا يعني أن الوعي التاريخي يقوّض حرية الإنسان ويلغي خياراته في الحاضر أو المستقبل، بل يعمّقها. أي يكشف عن الشروط التي تجعل فهمنا لأنفسنا ممكنًا في حقيقتها الذاتية وما يمكن أن تحققه، بأن يضع أمامنا فائضًا من اختبارات الحياة وتجارب نجاح وفشل لا تُحصى، تظهر مكنونات الذات وتفصح عن محتملات الوجود وما يوفره من إمكانات تحقّق جديدة.
فبقدر ما أننا نتشكّل بالتاريخ ولا يمكننا في وعينا وخياراتنا الخروج منه، فإن التاريخ ليس حتمية تحاكي حتميات الطبيعة. هو ساحة الخيارات المفتوحة للوجود الإنساني واحتمالاته القادمة. بالتالي لا معنى لغاية خلاصية للتاريخ أو معنى نهائي له، بل هو ساحة انكشاف مستمر، يعرض نفسه لنا لنفهمه ونتدبره، لا ليقيّدنا أو يحاكمنا أو يلاحقنا أو يرغمنا على وجهة أو ترتيب خاصين.
الحوار مع الماضي لا الاستسلام له
هذا يعني أن العلاقة مع التاريخ لا تكون بالاستسلام لماضيه، بل بالدخول في حوار حيٍّ معه، يكشف مطبّات تقديسه الزائفة وإملاءات خلاصه وادعاءات التفويض فيه، ويوقظنا من طمأنينة العادة وسبات التكرار ويأس الحتم، ويجنّبنا عبث المعنى وفوضى القرار.
مدخل ذلك كله هو الحضور في التاريخ. فأحداثه لا تأتي إلينا كونها انقضت وولّت، ولا يمكننا الدخول إلى أحداثه المنصرمة أو نكون جزءًا من اصطفافاتها والعيش بداخلها، فذلك بحكم المستحيل، ولا يحصل إلا لدى أصحاب المخيّلة المنفصمة عن الواقع. التاريخ يحضر مؤوَّلًا، أي نفهمه، والفهم فعل تعقّل وتدبّر، وهو أيضًا فعل اختيار وحرية. وغرض كلاهما، التعقّل والاختيار، بناء الحاضر ورسم مساره وتوسيع مساحته وإظهار محتملاته وإمكاناته.
الحاضر كساحة الحرية وصيرورة التاريخ
بالتالي فإن الوعي التاريخي هو تبصّر الحرية لنفسها لا بصفتها شيئًا باطنيًا أو عقليًا خالصًا، بل شيئًا متحققًا وينزع إلى التحقّق المستمر. فالتاريخ، بنحو من الأنحاء، ذاكرة هذه الحرية ومخزونها ورصيدها، والحاضر هو ساحة نشاط هذه الحرية ويقظتها التي تضمن استمراريتها وحيويتها وتجددها.
الحرية فعل لا يتوقف، ولأنها كذلك فإن الإنسان في حالة تشكّل دائم، لا عبر قوة خارجية، بل عبر حريته التي هي مدار ومنطلق تحقّقه الوحيد. فالإنسان كائن غير منجز، وما التاريخ سوى سجل تحقّقات هذا الكائن ومنبع ظهوراته وأرضية صلبة لما سيكون عليه.
الوعي التاريخي هو تبصّر الحرية لنفسها لا بصفتها شيئًا باطنيًا أو عقليًا خالصًا، بل شيئًا متحققًا وينزع إلى التحقّق المستمر.
هذا يعني أن الحاضر هو منطقة استحضار التاريخ المنصرم والاتصال به، وهو أيضًا لحظة استمرار التاريخ عبر التهيؤ لخلق حدث جديد. هذا يجعل الحاضر مسرحًا لأحداث التاريخ كله، ماضيه ومستقبله، ويجعل التاريخ جسر عبور بين ما تحقّق وأُنجز وبين ما سيتحقّق وسيُنجز، فعل وصل بين ما هو فعلي وبين الممكن الذي يصارع ليصير فعليًا، بين الظهور والإظهار، الكشف والانكشاف.
بالتالي لا يعود للحاضر تقديرًا وقتيًا أو زمانيًا، هو ليس كمية وقت، بل ساحة توتر ونشاط وفعالية، كتلة تكثّفت بداخلها اندفاعات الماضي لتوليد قوة دفع أمامية وعزيمة مستقبل ينزع إلى الانبثاق من باطن الحاضر.
نشأة الحاضر
لكن من أين ينشأ هذا الحاضر، الذي يولد التاريخ ويخلق أحداثه المتدفقة والمتدافعة؟ هو ليس سوى الحضور الإنساني في لحظة وعيه لوجوده وعالمه ومسعاه لتحقيق ذاته داخل هذا العالم. هو هذا الوعي والأفق والنزوع المتعالي الذي يقف وراء الزمن من دون أن يخرج منه أو يتحقّق خارجه. ما يجعل التاريخ نفسه انعكاسات هذا الوعي، وتجليات هذا الأفق، وتحقّقات هذا النزوع، من دون أن يستهلكها أو يستنفذها أو يُشبعها، طالما أن هناك عالمًا قابلًا لأن نعيش فيه، وطالما أن هناك إنسانًا لم تمتلئ تطلعاته ولم تصل نزوعاته إلى كامل إشباعاتها ولم يصل أفقه إلى التخوم النهائية.
الحرية فعل لا يتوقف، ولأنها كذلك فإن الإنسان في حالة تشكّل دائم، لا عبر قوة خارجية، بل عبر حريته التي هي مدار ومنطلق تحقّقه الوحيد.
وحين نصل إلى هذه الامتلاءات والإشباعات والتخوم، التي قد تحصل بموانع واضطرابات كونية، وقد تحصل بأعطاب نُحدثها ونهايات نقحمها طوعًا في واقعنا ومجتمعنا وقيمنا، فإن هذا لا ينذر بنهاية التاريخ فحسب، بل إشعار كوني بعدم أي جدوى للوجود الإنساني.

