النهب المنظّم لأملاك الدولة في كفركلا والوزاني: خريطة تكشف التزوير.. و«المافيا» تحشد لتعطيل القضاء وإسقاط التحقيق

المشاعات في الجنوب

انطلق المحامي ضياء الدين زيبارة، بمبادرة فردية وبصفته مواطنًا، في معركة قانونية للاعتراض على مسح أملاك عامة بأسماء أشخاص في منطقتي مرجعيون وبنت جبيل، ضمن نطاقات عقارية مختلفة، تبيّن لاحقًا أن التزوير طال فيها مئات الدونمات المربعة.

ويقول زيبارة لـ«جنوبية»:

«جاهدت بمالي ووقتي وعلى حساب راحة عائلتي، وفي نهاية المطاف جرى تركيب ملف بحقي من قبل المافيات العقارية، بالتعاون مع أشخاص من مكتب أمن الدولة في النبطية».

ويضيف أنه قدّم شكوى بحق أمن الدولة، مع علمه بأن الشكاوى الإدارية والقضائية قد لا تؤدي إلى نتيجة سريعة، أو قد تُدفن في الأدراج، مشيرًا إلى أن ما جرى يدفع المواطن اللبناني إلى اليأس، لكنه يؤكد:

«لن أيأس، وسأبقى أناضل لإثبات الحقيقة أمام الرأي العام، وكشف حقيقة المافيات وخطورتها ومدى تغلغلها في مؤسسات الدولة، لتشكّل ما يُعرف بـ”الدولة العميقة“».

ويتابع بحسرة:

«ندمت لأن تعبي كاد يذهب سدى، إذ جرى تركيب ملف بحقي بهدف ترهيبي وثنيي عن متابعة هذه الملفات، وقلب الحقائق بطريقة غير أخلاقية. ومع ذلك، واصلت ملاحقة المزوّرين وكل من سجّل، بغير وجه حق، ملايين الأمتار المربعة بأسمائهم».

أين الدولة من نهب أملاكها؟

في الوقائع، بدأ زيبارة اعتراضه في بلدته ومسقط رأسه كفركلا، حيث تبيّن وجود قطعة أرض تبلغ مساحتها التقريبية نحو خمسين دونمًا من أملاك الدولة، جرى تسجيلها باسم مجموعة من الأشخاص.

وعند وصول المعلومة إليه، طلب توكيلًا قانونيًا وبدأ ملاحقة القضية، فتقدّم باعتراض أمام القاضي العقاري. إلا أنه فوجئ بإبراز أحد المعنيين مستند عقد بيع منسوب صدوره إلى مطرانية الروم الكاثوليك في مرجعيون.

ورغم ذلك، تابع زيبارة القضية ودقّق في المستند، ليتبيّن له أنه عقد مزوّر. وعلى إثر ذلك، طلب تكليف خبير خطوط، غير أن تقرير الخبير خلص، بحسب زيبارة، إلى اعتبار المستند سليمًا ولا تشوبه شائبة.

ثبوت واقعة التزوير

لم يستسلم زيبارة، وأصرّ على متابعة الملف، طالبًا تكليف خبير من قبله، انطلاقًا من حقه القانوني في الاستعانة برأي خبير آخر. وصدر تقرير الخبير المكلّف من جانبه، مؤكّدًا حصول عملية تزوير وأن المستند مفبرك ومزوّر.

وهكذا، بات لدى القاضي تقريرا خبرة متناقضان: الأول يعتبر المستند صحيحًا، والثاني يثبت تزويره. وأمام هذا التعارض، قرّر القاضي العقاري إحالة الملف إلى المباحث العلمية في قوى الأمن الداخلي، التي حسمت الأمر بتقرير رسمي أكّد واقعة التزوير.

وبناءً عليه، قرّر القاضي ثبوت واقعة الاستيلاء على العقار المذكور في كفركلا، وأحال الملف إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية والادعاء على مجموعة من المتورطين.

كرت السبحة: آلاف الدونمات منهوبة

مع انتشار الخبر، بدأ أهالي القرى المجاورة بالتحرّك، وتوالت الاعتراضات من مواطنين ساعين إلى استرجاع الأملاك العامة والمشاعات في قراهم، وعدم تركها عرضة للنهب المنظّم.

ويقول زيبارة إنه تلقّى عشرات الاتصالات من هؤلاء، الذين أبلغوه بوجود ملفات عقارية مشبوهة، وكلّفوه متابعتها، معتبرين أنفسهم عاجزين عن مواجهة المافيات العقارية.

ومن بين هذه الملفات، برز ملف بلدية الوزاني، التي وكلته قانونيًا بعد تبيّن وجود آلاف الدونمات المنهوبة من أملاك الدولة، جرى مسحها وتسجيلها بأسماء أفراد.

خريطة حيفا

في عام 2018، قدّم زيبارة دعوى إلى النيابة العامة التمييزية، أُحيلت لاحقًا إلى النيابة العامة المالية، حيث وصلت لحسن الحظ إلى القاضية الشريفة دورا الخازن، التي تولّت التحقيق في الملف على مدى خمس سنوات.

وبات الملف يُعرف بـ«خريطة حيفا»، وهي خريطة حدودية كان زيبارة قد استحصل عليها من دائرة المساحة في مرجعيون عام 2017، وتعود في أصلها إلى عام 1934.

وخلال التحقيقات، استجوبت القاضية كلًا من:

المسّاح ميشال سلامة، المتعهّد علي عبدالله، المسّاح جورج سلامة، وعددًا من أفراد آل عبدالله الذين تملّكوا العقارات المعنية.

وقد نفى جميعهم علمهم بوجود خريطة حيفا.

وعلى إثر ذلك، كلّفت القاضية شركة هندسية متخصّصة لإعداد تقرير فني، خلص إلى النتائج الآتية:

  • وجود نسخة محفوظة من الخريطة في دائرة مساحة مرجعيون، مع غياب الأصل، وهو أمر طبيعي نظرًا لتاريخها.
  • دقّة مواقع الخريطة وصحّة قيودها.
  • ثبوت اعتماد المسّاح ميشال سلامة وابنه جورج سلامة على الخريطة في معاملات إظهار الحدود، رغم إنكارهما ذلك، وادعائهما الاعتماد على «دلالة المختار» في عقارات ممسوحة، ما يشكّل استخفافًا فاضحًا بالقضاء والإدارة.

وعلى ضوء هذه الوقائع، ادّعت القاضية عليهما بجرائم الشهادة الكاذبة والتزوير.

المافيا تحشد قوتها

من هنا، يقول زيبارة:

«بدأت حملة منظمة لتشويه سمعتي، تدخلت فيها جهات سياسية وطائفية وحزبية ومالية، بعدما حشدت المافيا كل نفوذها لنصرة المتهمين، وحماية ارتكاباتها، ومحاولة إبعادي عن الملفات العقارية لضمان استمرار نهب الدولة».

بحسب زيبارة، استغرق التحقيق في الملف خمس سنوات، والآن أعاد “أمن الدولة” فتح التحقيق، خلافًا للأصول وأبسط المعايير القانونية، بحجة أن “خريطة حيفا” غير موجودة في قضية ابل القمح، في محاولة لإعادة الملف إلى المربع الأول، مع العلم أن النيابة العامة قد ادّعت في هذا الملف واقتنعت بصحته، والملف موجود لدى قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية.

فعلى اي أساس يُعاد فتح التحقيق لدى “أمن الدولة” في خريطة ثبتت للنيابة العامة وجودها وصحتها، وهناك دعوى قائمة؟

هكذا يفند المحامي ضياء الدين زيبارة الوقائع، ويعتبر أن من لديه اعتراض، عليه أن يقدمه أمام المحكمة، وليس عبر تدخل جهاز “أمن الدولة ” بهدف نسف التحقيق والقرارات القضائية الصادرة، في خطوة تهدف إلى فبركة ملفات لضرب القضية من أساسها، واستعادة سيطرة “مافيا النهب” على مئات الدونمات المربعة للدولة التي كانت قيد الاسترداد.

السابق
أحمد الحريري من البقاع: كلمة سعد الحريري في 14 شباط هي خارطة الطريق وحسم الموقف من الانتخابات
التالي
الليطاني تحت مقصلة «الصرف الصحي»: المصلحة الوطنية تُحاصر بلديات تعنايل وتتوعّد بالملاحقة القضائية