تصريح الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ليس تفصيلاً سياسيًا، ولا يمكن تبريره بأنه موجّه للداخل أو للبيئة فقط. هو موقف صادر عن قيادة تنظيم مشارك في الحكم، ممثل في مجلس الوزراء، وتحت سقف رئاسة الجمهورية. من هنا، يصبح السؤال الحقيقي: هل هذا الخطاب يخدم مصلحة البيئة والدولة؟ أم يكشف أن أصحابه أصلًا خارج منطق مصالح الدولة والناس؟
احراج البيئة
المشكلة لم تعد في “إحراج البيئة”، بل في استخدام اسمها لتغطية خطاب لا يمتّ بصلة لمصالحها الفعلية. بيئة تعاني اقتصاديًا، اجتماعيًا، ومعيشيًا، يُطلب منها مرة جديدة أن تتحمّل كلفة مواقف إقليمية لا قدرة للبنان على تحمّل نتائجها، ولا مصلحة لها بها.
الأخطر أن هذا الخطاب يأتي فيما الحزب شريك كامل في السلطة التنفيذية. وهنا التناقض الفاضح: لا يمكن أن تكون جزءًا من الحكومة، وفي الوقت نفسه تتصرف وكأنك خارج الدولة. لا يمكن الجلوس على طاولة مجلس الوزراء، ثم القفز فوق الدولة بخطاب يضع لبنان في قلب صراع إقليمي مفتوح.
إذا كان هذا هو الخيار الحقيقي، وإذا كان خطاب الأمين العام يعكس قناعة ثابتة بالتموضع خارج منطق الدولة ومصالح الناس، فالمنطق يقول شيئًا واحدًا واضحًا: الخروج من الحكومة. أما الاستمرار في الحكم، مع تحميل الدولة والناس كلفة هذا الخطاب، فهو تضليل سياسي ودفع متعمّد للبنان نحو مزيد من العزلة والانهيار.
خسارات بالجملة
دول الخليج لا تفصل بين تصريح حزبي وسلوك دولة، بل ترى الصورة كاملة. وكل موقف يُفهم منه اصطفاف أو تبرير أو تحدٍّ، يُترجم مباشرة تراجعًا في الثقة بلبنان، وفي الاستعداد لدعمه أو الوقوف إلى جانبه. والخاسر الأول هنا ليس الخصوم، بل أبناء البيئة أنفسهم، في أرزاقهم، ومستقبلهم، وفرص أولادهم.
أما دوليًا، فالصورة باتت واضحة: دولة عاجزة عن ضبط شركائها في الحكم، وغير قادرة على توحيد خطابها السياسي. وهذا ما يبرّر استمرار الحصار السياسي غير المعلن، وغياب أي اندفاعة جدية لمساعدة لبنان.
البيئة ليست بحاجة إلى من يرفع السقف باسمها، بل إلى من يحمي مصالحها الحقيقية. ليست بحاجة إلى شعارات تزيد العزلة، بل إلى سياسات تعيد وصل لبنان بمحيطه العربي، وتُخرجه من موقع الساحة إلى موقع الدولة.
الجرأة الحقيقية ليست في التصعيد الكلامي، بل في تحمّل المسؤولية. إما الالتزام بمنطق الدولة ومصالح الناس، وإما الانسحاب من الحكومة وتنفيذ هذا الخطاب خارج مؤسساتها. أما الجمع بين الأمرين، فهو استمرار في خداع البيئة، ودفع لبنان كله نحو الخسارة.

