في خبرٍ عاجل، تظهر تلك الدوائر الحمراء على الشاشة، أكبر الصورة. في إحداها بيت صديقتي، قريباً من حافة الكرة النارية، قريباً بما يكفي ليصبح الاحتمال هو اللغة الوحيدة المتاحة.
أتصل بها، يأتيني صراخها من الجهة الأخرى، ليس خوفاً فقط، بل خليطاً من القهر والسخرية السوداء: (نيالك… فلِتّي وارتاحتي من هالبهدلة… تعي شوفي الذل).
تترك بيتها (بالبيجاما) من دون أن تحمل شيئاً. لا وقت للأسئلة البسيطة التي تشكّل حياة كاملة: أين الصور؟ الأوراق؟ تعب العمر؟
صديقتي التي رمّمت زجاج بيتها منذ شهرين فقط، تغلق الباب اليوم للمرة السابعة… أو العاشرة. لم تعد تُحصي عدد المرات التي تعلّمت فيها كيف تكون لاجئة داخل مدينتها.
رحلة الهروب
رحلة الهروب من الدائرة صارت مشهداً مألوفاً: طوابير السيارات، والدراجات النارية، والإسعافات، وأشخاص يركضون وهم يعرفون مسبقاً أن العودة جزء من السيناريو.
القهر في هذا المشهد لا يقل عن حجم الصاروخ القادم، بل يفوقه، لأن الصاروخ قد يدمّر بيتاً، أما هذا المشهد فيدمّر معنى البيت نفسه.
يخرج الناس تاركين خلفهم كنوزهم الصغيرة: الذاكرة، الاعتياد، الأمان المؤقت، وأرزاقاً لم يعد أحد يضمن أنها ستبقى.
ثم يعمّ صمتٌ ثقيل، صمت يبتلع غضب شعبٍ ينتظر الضربة من دون أي أملٍ بمنعها. الجميع يراقب من أطراف الحلقة الفارغة، حيث لا أحد في الداخل إلا المكان.
يصبح الوقت ثقيلاً، تسكن الأصوات، ولا يبقى سوى صوت الطائرة، تحوم حول فريستها، تعاين المكان والهدف. في لحظة واحدة، ترمي لهيبها الأسود، لا لتصيب الحجر فقط، بل لتطحن قلوب من خرجوا، وهم يعرفون أن بيوتهم لم تعد خطوطاً حمراء، بل احتمالات.
تنتهي العملية، وتعود الجموع لتلملم همومها مع بقايا البيوت، وبقايا الصبر، وبقايا الوجع، الذي صار نظاماً.
تعود صديقتي إلى بيتها، تفحص الجدران، والزجاج، والسقف، ثم ترسل لي رسالة قصيرة، تكاد تكون بيان نجاة: (أنا بخير، وبيتي بخير).
كم كانت محظوظة هذه المرة. لم يعد الخطر قدراً غامضاً، ولا كارثة طبيعية.
وطن في الجحيم
من أدخل الناس والوطن إلى هذا الجحيم؟ من الذي قرر وحده أن يجعل من البيوت خطوط تماس، ومن القرى أهدافاً، ومن المدنيين تفصيلاً ثانوياً في معادلة لا شأن لنا فيها؟
من الذي لم يستشر أحداً، ولم يتحمّل وحده الكلفة، وترك الناس يركضون (بالبيجاما)؟
في كل مرة تقول صديقتي: (أنا بخير، وبيتي بخير)، نكتشف كم صار سقفنا هشّاً، وكم تحوّل البقاء إلى إنجاز، والنجاة إلى حظ.
هذا ليس قدراً، ولا صموداً. هذه دائرة جحيم رُسمت حولنا باللون الأصفر.

