ميثاق السيادة في مواجهة سطوة السلاح: قراءة في خطاب الرئيس وارتدادات الخوف لدى الدويلة

جوزاف عون
إن الحزب، عبر ردود فعل بيئته، يحاول فرض "ديكتاتورية رأي" تمنع أي مسؤول من ممارسة صلاحياته إذا لم تتوافق مع مصالح الحزب. ولكن، ما غاب عن هؤلاء هو أن موازين القوى الشعبية قد تغيرت، وأن اللبنانيين من مختلف الطوائف والمناطق باتوا يدركون أن "السلاح" هو العائق الأساسي أمام قيام الدولة القوية العادلة، وهو السبب الرئيسي وراء العزلة الدولية التي يعاني منها لبنان.

في لحظة سياسية هي الأدق في تاريخ لبنان الحديث، وفي وقت تتقاذف فيه أمواج الأزمات الإقليمية ما تبقى من هيكل الدولة اللبنانية، جاءت كلمة رئيس الجمهورية أمام السلك الدبلوماسي لتعيد الاعتبار لمفهوم “الدولة” الذي غُيّب عمداً لسنوات.

لم تكن الكلمة مجرد استعراض دبلوماسي تقليدي، بل كانت “بيان استقلال ثانٍ” وضع النقاط على الحروف في ملفات لطالما اعتبرها البعض “محرمات” لا يجوز المس بها، وعلى رأسها حصرية السلاح وسيادة الجيش الكاملة على كافة الأراضي اللبنانية، ولا سيما الجنوب.

لقد حمل الرئيس في خطابه وجع اللبنانيين وهواجسهم، متحدثاً بلغة واضحة لا تقبل التأويل: لبنان لا يمكن أن يستقيم برأسين، ولا يمكنه أن ينهض من كبوته الاقتصادية والسياسية طالما أن قرار السلم والحرب مختطف من قبل “قوة موازية” تأتمر بأوامر عابرة للحدود.

إقرأ أيضا: يا شيخ نعيم رُدّ.. أو اشرح لنا لماذا لا تفعل؟!

وحين أعلن الرئيس صراحةً ضرورة “تنظيف الجنوب من السلاح غير الشرعي”، فإنه لم يكن يهاجم فئة بعينها، بل كان يمارس واجبه الدستوري كحامٍ للدستور وكرئيس لكل اللبنانيين الذين يطالبون بالعيش في ظل قانون واحد وجيش واحد.

ثقافة “التخوين”: السلاح الضعيف في مواجهة منطق الدولة

بمجرد أن انتهى الرئيس من إلقاء خطابه، انطلقت الماكينات الإعلامية والالكترونية التابعة لـ “بيئة الحزب” في حملة شعواء اتسمت بالحدة والتوتر. وبدلاً من مناقشة الطروحات السيادية بمنطق سياسي، لجأت هذه البيئة إلى سلاحها التقليدي المتمثل في “لغة التخوين”. فجأة، صار الحديث عن السيادة “ارتهاناً للخارج”، والمطالبة بتطبيق القرارات الدولية (وعلى رأسها القرار 1701) “عمالة”، والحرص على حماية لبنان من المغامرات العسكرية “طعناً في الظهر”.

على الحزب أن يعود إلى كنف الدولة، ليس كقوة مهيمنة بل كشريك سياسي يلتزم بما يلتزم به الجميع. إن لغة “تخوين” الرئيس هي مسمار أخير في نعش التفاهمات الوطنية التي كان الحزب يدعي الحرص عليها

إن هذه اللغة المدانة لا تعكس إلا ضيق صدر الحزب وحلفائه بأي صوت ينادي بقيام دولة حقيقية. إنها تعبير صارخ عن “فوبيا السيادة” التي يعاني منها من اعتاد أن يكون فوق المحاسبة وفوق القانون. فالخوف من الجيش اللبناني ومن انتشار سلطة الدولة في الجنوب ليس نابعاً من الحرص على المقاومة، بل من الخوف على فقدان “السطوة” التي تتيح للحزب استخدام لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

الدولة مقابل الدويلة: صراع الوجود

إن الإدانة التي وجهتها بيئة الحزب لخطاب الرئيس تكشف عمق الهوة بين مشروعين:

الأول: مشروع الدولة الذي يمثله رئيس الجمهورية، والذي يرى في المؤسسات العسكرية والأمنية الضمانة الوحيدة للاستقرار، وفي الانفتاح على المجتمع الدولي وحماية الدستور سبيلاً وحيداً لخروج لبنان من عزلته القاتلة.

الثاني: مشروع الدويلة الذي يصر على إبقاء لبنان في حالة “حرب دائمة” وتوتر مستمر، مستخدماً لغة التهديد والوعيد ضد كل من تسول له نفسه المطالبة بحصر السلاح بيد الشرعية.

إن لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما السير خلف رؤية الرئيس لبناء دولة حقيقية يحترمها العالم، وإما البقاء رهينة لمنطق الدويلة الذي لا ينتج إلا الفقر والحروب والدمار

إن ادعاءات الحزب بأن سلاحه هو الذي يحمي السيادة باتت مقولة متهالكة أمام الواقع المرير. فكيف يمكن لسلاح يشرذم المجتمع، ويعزل لبنان عن محيطه العربي والدولي، ويتسبب في تدمير اقتصاده، أن يكون حامياً للسيادة؟

إن السيادة الحقيقية تبدأ بامتلاك الدولة لقرارها السيادي الصرف، وليس بارتهان هذا القرار لغرف عمليات عسكرية لا تخضع لرقابة البرلمان أو الحكومة أو رئاسة الجمهورية.

لماذا أصاب الخطاب كبد الحقيقة؟

لقد أصاب خطاب الرئيس كبد الحقيقة لأنه سمى الأشياء بمسمياتها. لقد رفض الرئيس منطق “المغامرات الانتحارية” التي تُفرض على اللبنانيين دون إرادتهم. إن شعب لبنان، الذي يعاني من الانهيار المالي وضياع مدخراته وتفكك مؤسساته، لم يعد قادراً على تحمل تكاليف حروب “المشاغلة” أو “الإسناد” التي تُدار بقرار خارجي.

إقرأ أيضا: انتخابات تحت الترهيب.. علي الأمين: السلاح يصادر أصوات الشيعة ويمنع التغيير

لقد كانت شجاعة الرئيس في تأكيده على “تنظيف الجنوب” رسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن هناك في لبنان من لا يزال يؤمن بالشرعية الدولية. وهذه الرسالة هي المفتاح الوحيد لفتح أبواب المساعدات الدولية وإعادة إعمار ما هدمته الحروب والسياسات الفاشلة. إن العالم لن يقدم يد العون لبلد يفتقد للسيادة، أو لبلد يسيطر فيه “تنظيم مسلح” على مفاصل القرار فيه.

لغة الاستعلاء والاستقواء: إلى متى؟

إن استمرار الحزب في استخدام لغة الاستعلاء ضد مقام الرئاسة يمثل إهانة لكرامة الدولة اللبنانية بأكملها. إن تصوير أي موقف سيادي على أنه “مؤامرة” هو استخفاف بعقول اللبنانيين. فهل المطالبة بأن يكون الجيش هو الوحيد الذي يحمل السلاح على الحدود هي مؤامرة؟ وهل الالتزام بالقرارات الدولية التي وقع عليها لبنان هي خيانة؟

إن الحزب، عبر ردود فعل بيئته، يحاول فرض “ديكتاتورية رأي” تمنع أي مسؤول من ممارسة صلاحياته إذا لم تتوافق مع مصالح الحزب. ولكن، ما غاب عن هؤلاء هو أن موازين القوى الشعبية قد تغيرت، وأن اللبنانيين من مختلف الطوائف والمناطق باتوا يدركون أن “السلاح” هو العائق الأساسي أمام قيام الدولة القوية العادلة، وهو السبب الرئيسي وراء العزلة الدولية التي يعاني منها لبنان.

الالتفاف حول الشرعية هو الخيار الوحيد

إن الهجوم على خطاب رئيس الجمهورية هو هجوم على فكرة لبنان الذي نعرفه؛ لبنان السيادة، الحرية، والتنوع. إن الدفاع عن مواقف الرئيس اليوم هو واجب وطني يتجاوز الاصطفافات السياسية الضيقة، لأنه دفاع عن المؤسسة العسكرية ودفاع عن الدستور.

إن ادعاءات الحزب بأن سلاحه هو الذي يحمي السيادة باتت مقولة متهالكة أمام الواقع المرير. فكيف يمكن لسلاح يشرذم المجتمع، ويعزل لبنان عن محيطه العربي والدولي، ويتسبب في تدمير اقتصاده، أن يكون حامياً للسيادة؟

على الحزب أن يعود إلى كنف الدولة، ليس كقوة مهيمنة بل كشريك سياسي يلتزم بما يلتزم به الجميع. إن لغة “تخوين” الرئيس هي مسمار أخير في نعش التفاهمات الوطنية التي كان الحزب يدعي الحرص عليها.

إقرأ أيضا: لماذا سكتت «لجنة الميكانيزم» فجأة؟.. إليك كواليس الترتيبات الأميركية الجديدة

إن لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما السير خلف رؤية الرئيس لبناء دولة حقيقية يحترمها العالم، وإما البقاء رهينة لمنطق الدويلة الذي لا ينتج إلا الفقر والحروب والدمار.

لقد وضع رئيس الجمهورية الحجر الأساس لمرحلة جديدة من المواجهة السيادية، ومهما بلغت حدة الضجيج الصادر عن أدوات الحزب الإعلامية، فإن صوت الدولة سيبقى دائماً هو الأقوى، لأن الحق لا يموت، والسيادة لا تُجزأ، ولبنان لن يكون إلا وطناً لكل أبنائه، محصناً بجيشه الشرعي وحده، ومنزوعاً من كل سلاح خارج عن إطار الدولة وقانونها.

السابق
بعبدا وحارة حريك: «قطيعة شاملة» والعهد يرفض الابتزاز.. وتحذير من «اللعب بنار الشارع»
التالي
طبول الحرب وقنوات الدبلوماسية: ترامب يحذر من «النووي» وعراقجي يتوعد بردّ «يجتاح المنطقة»