مشروعُ المقاومةِ بينَ الخطأِ في الإدارةِ وحتميّةِ الشراكةِ الوطنيّةِ والعربيّةِ والإسلاميّة

الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين
بمناسبة ذكرى مرور 25 عاما على غياب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى السابق الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ينشر موقع "جنوبية" نصّا للامام الراحل، فيه قراءةً نقديّةً لمشروع المقاومة وتحرير فلسطين، مركّزًا على الخلل في إدارة المقاومة حين جرى حصرها في إطار فئويّ طائفيّ، ما أفقدها بعدها الوطنيّ الجامع. ويؤكّد أنّ تحرير فلسطين قضيّة عربيّة وإسلاميّة شاملة لا يجوز تحميلها لفئة أو دولة بعينها، ولا سيّما لبنان أو شيعة لبنان.كما يناقش الإشكاليّة بين شرعيّة المقاومة الوطنيّة واستغلالها السياسي، وحدود الدور اللبناني في الصراع مع إسرائيل.

««مشروعُ تحريرِ فلسطينَ هو مشروعٌ عربيٌّ وإسلاميٌّ في آنٍ معًا. ولبنانُ جزءٌ من العربِ والمسلمين، وبمقدارِ انتمائِه العربيِّ والإسلاميِّ يدخلُ في هذا المشروع. غيرَ أنّ هذا المشروع، بطبيعتهِ الشاملة، لا يجوزُ أن يُختزلَ في دولةٍ واحدة، ولا في فئةٍ واحدة، ولا في طائفةٍ بعينها.

اولا: الخطأُ في إدارةِ المقاومةِ وتحويلُها إلى مشروعٍ فئويٍّ

نحنُ نعتقدُ أنّهُ قد حصلَ خطأٌ في إدارةِ عمليّةِ المقاومة. كانَ يجبُ أن يشتركَ الجميعُ فيها، لكنّ الخطأَ وقعَ في إدارتِها السياسيّة، بحيثُ تحوّلَ الموضوعُ إلى ما يُشبهُ كونهُ موضوعًا شيعيًّا. وهذا، في جوهرِه، خلافُ المصلحةِ الوطنيّة.

إنّ القولَ بأنّ الشيعةَ وحدَهم يحملونَ مشروعَ المقاومةِ يدفعُ الآخرينَ إلى القولِ: إنّ هذا المشروعَ لا علاقةَ لهم به. وهذا خطأٌ استراتيجيٌّ، معروفٌ جيّدًا، ويُدرَكُ حتى في إيران. لم يكنْ من الصحيحِ أبدًا حصرُ المقاومةِ بفئةٍ شيعيّةٍ واحدة، لأنّ ذلك يُفرغُها من بعدها الوطنيِّ والجامع.

ثانيا: المقاومةُ بينَ الشرعيّةِ الوطنيّةِ والاستغلالِ السياسيِّ

حينَ أصبحتِ المقاومةُ، نتيجةَ الخطأِ في الإدارة، مشروعًا سياسيًّا لفئةٍ من الناس، صارَ طبيعيًّا أن يعترضَ آخرون، من غيرِ الشيعةِ، بل ومن بعضِ الشيعةِ أيضًا. فالقولُ باستخدامِ عنوانِ المقاومةِ لخدمةِ مشروعٍ سياسيٍّ خاصٍّ هو أمرٌ مرفوضٌ وموضعُ اعتراض.

من هنا، نفهمُ مواقفَ البطريركِ صفير وغيرِه، إذ لا يمكنُ القبولُ بأن تُستَخدمَ المقاومةُ غطاءً لمشروعٍ سياسيٍّ لفئةٍ بعينها. وفي هذه الحال، يسألُ الآخرون بوضوح: لماذا نشاركُ في مشروعٍ لا يُمثّلُنا؟

ثالثا: قراراتُ الأممِ المتحدةِ وإشكاليّةُ التطبيقِ الانتقائيِّ

ثمّةَ من يقولُ: لِنُنفِّذْ قراراتِ الأممِ المتحدة. وهم، في الواقع، لا يُبالونَ بأنّ إسرائيلَ لا تُنفِّذُ هذه القرارات. أمّا أنا فأقولُ بوضوح: نعم، فلتُنفِّذْ إسرائيلُ قراراتِ الأممِ المتحدة، وعندها نتوقّفُ عن المقاومة. لكنّ المشكلةَ أنّ هذا المنطقَ لا يُؤخَذُ به، لأنّ البعضَ يرى في المقاومةِ مجرّدَ وسيلةٍ للاحتفاظِ بالسلاحِ من أجلِ الوصولِ إلى موقعٍ سياسيٍّ معيّن.

قلتُ إنّ هناك خطأً، وهذا الخطأُ، بكلِّ أسف، لا أستطيعُ أنا وحدي تصحيحَه. إنّهُ خطأٌ بنيويٌّ في الفهمِ والإدارة، وإذا لم يُصحَّح، سنبقى مئةَ سنةٍ نقولُ: نحنُ مقاومة، فيما يقولُ الآخرون: تفضّلوا قاوموا وحدَكم.

رابعا: رفضُ تحويلِ مشاريعِ التحريرِ إلى مشاريعَ طائفيّةٍ

مشروعُ تحريرِ لبنان، أو تحريرِ سوريا، أو العراق، أو إيران، أو أيِّ بلدٍ آخر، لا يجوزُ أن يكونَ مشروعًا لفئةٍ معيّنة. فعندما يُحصرُ المشروعُ في فئةٍ واحدة، تنسحبُ بقيّةُ الفئات وتقولُ: لا علاقةَ لنا بهذا المشروع.

من هنا، نؤكّدُ أنّ المقاومةَ لها ثلاثةُ مستويات:

المستوى الوطنيّ: حيثُ يُقاومُ كلُّ مجتمعٍ احتلالَهُ بنفسه. فالمقاومةُ في لبنان هي مقاومةٌ ضدّ الاحتلالِ الإسرائيليِّ للبنان، وهي مشروعةٌ بهذا المقدار.

المستوى العربيّ العامّ: حيثُ يجبُ أن تكونَ هناك مقاومةٌ عربيّةٌ شاملة، لأنّ اللبنانيّين وحدَهم لا يستطيعونَ أن يقوموا بالنيابةِ عن الجميع.

المستوى الإسلاميّ العامّ: إذ إنّ فلسطينَ ليست مشكلةً عربيّةً فقط، بل هي مشكلةٌ إسلاميّةٌ تخصُّ الأمّةَ الإسلاميّةَ كلَّها.

خامسا: حدودُ الدورِ اللبنانيِّ في قضيّةِ فلسطينَ

تحريرُ فلسطين، بالمعنى الإسلاميِّ، يحتاجُ إلى موقفٍ إسلاميٍّ عامٍّ وإلى عملٍ إسلاميٍّ مشترك. اللبنانيّون، وخصوصًا شيعةَ لبنان، لا يمكنُهم تحمّلُ هذه المهمّةِ بالنيابةِ عن كلِّ العربِ والمسلمين، لأنّ ذلك فوقَ طاقتِهم.

لذلك، فإنّ المقاومةَ الموجودةَ في لبنان اليوم هي مقاومةٌ على المستوى الوطنيّ. أمّا على المستوى القوميّ أو الإسلاميّ العامّ، فلا تستطيعُ هذه المقاومةُ أن تكونَ بديلًا أو نائبًا عن العربِ والمسلمين جميعًا.

سادسا: تحريرُ لبنان شرطٌ وتحريرُ فلسطين قضيّةٌ أشمل

من الناحيةِ الشرعيّةِ والفقهيّة، الشعارُ المطروحُ هو تحريرُ لبنان وانسحابُ الإسرائيليّين منه. فإذا انسحبَ الإسرائيليّون من لبنان، فلا تعودُ، على المستوى الوطنيّ، مشكلةٌ مباشرةٌ بيننا وبينهم.

أمّا على المستوى العربيّ والإسلاميّ العامّ، فالمشكلةُ تبقى قائمة، وهي تتطلّبُ مشاركةَ العربِ كلِّهم والمسلمينَ كلِّهم في التصدّي لها. تحريرُ لبنان يعني التقاءَ ضروراتِ الدولةِ مع خياراتِ الشعب، وعندها يكونُ مشروعُ التحريرِ اللبنانيِّ قد تحقّق.

بعد ذلك، نأتي إلى قضيّةِ تحريرِ فلسطين، وهي قضيّةٌ عربيّةٌ وإسلاميّةٌ كبرى، وليست مشكلةً لبنانيّةً فقط. وفي هذه المرحلة، يكونُ موقفُ لبنان، حكومةً وشعبًا، موقفًا واحدًا: مقاومةُ الاحتلالِ الإسرائيليِّ للبنان، دولةً ومجتمعًا، نظامًا وأمّة.

فإذا تحرّرَ الترابُ اللبنانيُّ كاملًا، يكونُ مشروعُ التحريرِ في لبنان قد أُنجز، وتبقى قضيّةُ فلسطينَ مسؤوليّةً عربيّةً وإسلاميّةً مشتركة»». (انتهى)

المصدر: ارشيف الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين

التاريخ 25/9/1996

السابق
بري يُحذّر من استباحة لبنان: وحدة المكونات أقوى من الصواريخ.. والسكوت على ملف الأسرى ممنوع!
التالي
العاصفة تبلغ ذروتها: الثلوج تلامس الـ1000 متر ولبنان في قبضة الصقيع حتى الأربعاء.. ما هي الطرقات المقطوعة؟