منذ اثني عشر يومًا، تهتزّ إيران على وقع احتجاجات واسعة أشعلتها أزمة اقتصادية متفاقمة. فقد امتلأت شوارع طهران بالعاصمة بالمتظاهرين، وامتدت النيران إلى مدن وبلدات أصغر بعيدة عن المراكز السياسية، مثل عبادان ومدينة ملكشاهي ذات الغالبية الكردية، حيث تبدو المظالم الاقتصادية والبطالة وإهمال الدولة أكثر حدّة ووضوحًا.
ووفقًا لتقديرات منظمة العفو الدولية، قُتل ما لا يقل عن 28 متظاهرًا على يد القوات الإيرانية في ثماني محافظات، تزامناً مع قطع خدمة الإنترنت وتشدّيد الإجراءات القمعية. وفي غمرة هذا اليأس، استولى وهمٌ قديم على بعض المراقبين الغربيين: لعلّ رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع و”ولي العهد” في المنفى، هو القادر على قيادة انتقال ديمقراطي إذا ما سقطت الجمهورية الإسلامية.
نموذج أحمد الجلبي: دروس الفشل العراقي
قبل ثلاثة وعشرين عامًا، جرى إعداد مدّعٍ آخر في المنفى لقيادة دولة في الشرق الأوسط نحو الديمقراطية بدعم غربي: أحمد الجلبي، المصرفي العراقي الذي تحوّل إلى زعيم للمعارضة. والمقارنة هنا ضرورية؛ فقد امتلك الجلبي ما يفتقر إليه رضا بهلوي اليوم، ومع ذلك انتهى مشروعه بفشل ذريع.
دخل الجلبي مرحلة «تغيير النظام» بأوراق اعتماد لامعة؛ نجح في جمع الأطياف تحت مظلة “المؤتمر الوطني العراقي”، وتلقى تمويلاً أمريكياً تجاوز 200 مليون دولار، وكان يمتلك شبكة علاقات استثنائية مع “المحافظين الجدد” ونفوذاً إعلامياً واسعاً في “نيويورك تايمز”. والأهم من ذلك، كان لديه وجود ميداني وقوات عسكرية في الشمال. ومع ذلك، عندما أُجريت انتخابات 2005، لم يحصل حزبه سوى على أقل من 0.5% من الأصوات. الرجل الذي وُصف بـ«جورج واشنطن العراق» انتهى بلا مصداقية، لأن العراقيين لم يريدوه.
عجز رضا بهلوي: زعيم بلا تنظيم أو ميدان
إذا انتقلنا إلى الحالة الإيرانية، يتبيّن أن ما يقدّمه رضا بهلوي محدود للغاية. فهو لا يمتلك أي تنظيم فعلي داخل إيران، ويفتقر إلى “قاعدة منظّمة” بشهادة مراكز أبحاث دولية. ما يُعرف بـ«مشروع العنقاء» أو «قمة ميونيخ» لا يتجاوز كونه نشاطًا نخبويًا لمنفيين ومؤتمرات صحفية لا يقابلها أي حضور حقيقي في الشارع.
إقرأ أيضا: طهران تتوعد بضرب إسرائيل والقواعد الأمريكية.. والبرلمان الإيراني يشتعل بهتافات «الموت لأميركا»
يعتمد بهلوي على تبرعات المهاجرين، ولا يملك قانوناً يدعمه كـ “قانون تحرير العراق”. أما ادعاؤه بأن 50 ألف مسؤول إيراني سجّلوا في منصة سرية للانشقاق، فهو ادعاء غير معقول يذكّر بوعود الجلبي الزائفة عن انشقاقات الجيش العراقي. بهلوي عاش خارج إيران 48 عاماً، وهو اليوم غريب عن المجتمع الذي يدّعي قيادته، ولا توجد أي قوة عسكرية خارجية تستعد لتنصيبه، بل إن أي تدخل أمريكي مباشر سيكون “النهاية السياسية” له.
أزمة الشرعية: أشباح “السافاك” وانقلاب 1953
أكثر أوجه الشبه إدانة هي الافتقار إلى الشرعية. ويواجه بهلوي هذه المشكلة مضاعفة؛ فسلالته تركت مرارات عميقة في الذاكرة الإيرانية: من انقلاب 1953 المدعوم من “CIA” ضد محمد مصدّق، إلى جهاز «السافاك» القمعي، وصولاً إلى الفساد والتفاوت الطبقي الذي فجّر ثورة 1979.
وعندما يهتف المحتجون اليوم «الموت للديكتاتور»، فإنهم لا يحنّون إلى عودة ملكية ساهم آباؤهم في إسقاطها. وظهور بعض الشعارات المؤيدة لبهلوي لا يدل على نزعة ملكية واسعة، بل هو “حنين اصطناعي” تضخمه حملات التواصل الاجتماعي. والواقع أن شعار «لا للشاه ولا لرجال الدين» يختصر رفض الشارع لكل من الجمهورية الإسلامية والعهد البائد.
“المعارضة ضد المعارضة”: خدمة مجانية للنظام
لا يمكن للجمهورية الإسلامية أن تطلب خصمًا أنسب من بهلوي؛ فحضوره الإعلامي يتيح للنظام تصوير المحتجين كأدوات لقوى أجنبية ولقاءاته مع مسؤولين إسرائيليين تعزز سردية “التخوين”. ولهذا وصفت نرجس محمدي (الحائزة على نوبل) حركة بهلوي بأنها «المعارضة ضد المعارضة»، خاصة مع عجز بهلوي عن ضبط أنصاره الذين يهاجمون المعارضين غير الملكيين، مما مزّق الجبهة الموحّدة.
نظام هشّ ولكن قمعي: فوبيا الفوضى في الداخل
الجمهورية الإسلامية اليوم أكثر هشاشة بسبب انهيار العملة وأزمات المياه والطاقة، لكن الهشاشة لا تعني الهزيمة السريعة. النظام يسيطر على جهاز قمعي “Formidable”، وقد قتل المئات في انتفاضات سابقة. كما أن الإيرانيين يخشون “الفوضى” أكثر مما يتوقون للحرية، بعدما شاهدوا مصير سوريا والعراق وليبيا.
سقوط النظام، إن حدث، سيكون لأن الإيرانيين في الداخل نظموا أنفسهم وحشدوا قواهم واستمالوا أجزاءً من الجهاز الأمني، لا بسبب وعود سياسي في المنفى.
الخلاصة: المراهنة على الشعوب لا على المدّعين
إيران لا تحتاج إلى “رجل واحد” يطلق وعوداً لا يملك الوفاء بها، بل تحتاج إلى تضامن دولي مع المحتجين ودعم للإعلام المستقل وضغوط حقوقية. لقد علّمتنا كارثة الجلبي أن تنصيب منفيين بلا قاعدة داخلية هو وصفة مؤكدة للفشل.
يستحق الإيرانيون أفضل من مدّعي بهلوي؛ يستحقون فرصة تقرير مستقبلهم بأنفسهم، بعيداً عن أوهام الآخرين ومرارات الماضي.

