الشعب الإيراني قال كلمته.. لكنها غير كافية حتى الآن 

Iran Demonstrations January 2026

بعد أسبوعين على اندلاع الاحتجاجات في إيران، وقبل نحو شهر من إحياء الجمهورية الإسلامية الذكرى السابعة والأربعين لثورة 1979، يبدو، بحذر، أن موجة الاضطراب الراهنة قد تشكّل أخطر تحدٍّ لاستقرار النظام منذ تأسيسه.

في مراسم الذكرى الرسمية التي أُقيمت في شباط/فبراير 2012، استخدم المنظمون صورة مكبّرة لمؤسس الثورة، آية الله روح الله الخميني، مُلصقة على قطعة من الكرتون. وقد أثارت الصور التي نُشرت لاحقاً في وسائل الإعلام الإيرانية موجة سخرية على شبكات التواصل. ورأى كثير من الإيرانيين في ذلك «المجسّم الكرتوني» استعارةً مناسبة لحال الثورة الإسلامية المتدهور: نظامٌ أجوف، تقلّص إلى رمزٍ متشقّق وهشّ مما كان عليه.

بعد أربعة عشر عاماً، يُتوقَّع أن تأتي الذكرى في سياق مختلف جذرياً، صور شبّان إيرانيين يُشعلون النار في صور المرشد الأعلى علي خامنئي.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن التغيير السياسي في إيران بات وشيكاً. فحتى بعد أيام من احتجاجات واسعة وعنيفة، ما يزال من المبكر الحديث عن «حركة احتجاج» بالمعنى الدقيق، تحالف منظّم عابر للقطاعات الاجتماعية والاقتصادية. وحتى الآن، لا مؤشرات على انخراط قطاعات اقتصادية مفصلية، مثل عمّال النفط، الذين لعبت قدرتهم على شلّ مفاصل الاقتصاد دوراً حاسماً في إسقاط نظام الشاه.

إضافة إلى ذلك، تفتقر الاحتجاجات إلى بنية قيادة واضحة، مع أن هذا قد يكون في هذه المرحلة ميزة تكتيكية، لأنه يصعّب على النظام سحق الحركة عبر استهداف قادة بعينهم. لكن غياب القيادة والتنسيق قد يعرقل لاحقاً تشكّل بديل سياسي قابل للحياة إذا دخلت الأزمة مراحل أكثر حسماً.

كما أن شرطاً حاسماً لانهيار النظام لم يتبلور بعد: انشقاقات داخل النخبة الحاكمة، وخصوصاً في أجهزة الإنفاذ والأمن، الحرس الثوري، وميليشيا الباسيج، وقوى الأمن الداخلي. حتى الآن، تبدو القيادة السياسية متماسكة ومصمّمة، على الأقل ظاهرياً، من دون مؤشرات على انشقاقات، أو انهيار في تنفيذ الأوامر، أو رفض من القوات الأمنية للقيام بمهامها.

«ما يزال من المبكر الحديث عن «حركة احتجاج» بالمعنى الدقيق، تحالف منظّم عابر للقطاعات الاجتماعية والاقتصادية»

وبناءً على ذلك، يظهر أن النظام غير قادر على وقف الاحتجاجات بالكامل، لكن ليس واضحاً أيضاً إن كان المحتجون يمتلكون القدرة على إسقاط أسس النظام.

في هذا السياق، تبدو إيران وكأنها تنزلق إلى «حالة ثورية ممتدة»، قد تطول وتتطور عبر مسارات رئيسية عدة.

المسار الأول: قمعٌ مستدام وفعّال من جانب الدولة قد ينجح في احتواء الاضطراب، ولو مؤقتاً. ومن منظور النظام، هذا هو الخيار المفضل. غير أن التعويل المستمر على القوة لا يزيد إلا من الإحباط والغضب مع مرور الوقت، ويرفع خطر أن تنفّذ الولايات المتحدة تهديداتها بالتدخل. وحتى إذا نجحت الحكومة في إخماد الموجة الحالية، يُرجَّح أن تتجدد أشكال العصيان المدني، لتصل لاحقاً إلى موجة جديدة من الاضطراب، لأن النظام لا يُظهر قدرة تُذكر على معالجة المطالب الجوهرية للجمهور.

المسار الثاني: استمرار انتشار الاحتجاجات وتصاعدها، بالتوازي مع تراجع قدرة النظام على السيطرة عليها، بما قد يشكّل تهديداً جدياً لاستقراره، وربما يقود إلى انهياره. ورغم أن هذه النتيجة الثورية قد تتقاطع مع آمال بعض المواطنين اليائسين، فإن آخرين داخل إيران يخشون أن تفتح الباب أمام فوضى سياسية. ويستند هذا الخوف إلى احتمال أن تستغل قوى راديكالية، داخلية أو خارجية، حالة عدم الاستقرار لفرض ترتيب سياسي جديد لا يعكس إرادة الناس، وقد يفضي ذلك إلى تفكك البلاد وتهديد وحدة أراضيها.

المسار الثالث: أن تدرك القيادة الإيرانية، أو جزءٌ منها، أنها لم تعد قادرة على احتواء الأزمة. وقد يقود هذا الإدراك إلى نتيجتين مختلفتين تماماً.

  • الأولى: انعطاف سياسي كبير، مثل القبول بالمطالب الأميركية في الملف النووي مقابل رفع العقوبات وتحسين الاقتصاد. لكن ذلك يبدو حتى الآن شديد الاستبعاد، إذ يتمسك خامنئي بموقفه، ويكرر أن إيران لن تتراجع «ولو سنتيمتراً واحداً» عن مبادئها.
  • الثانية: محاولة استيلاء على السلطة من داخل النخبة السياسية، العسكرية. ففي سيناريو متطرف، قد تلجأ أجنحة داخل الحرس الثوري، وهو ليس كتلة واحدة صمّاء، إلى فرض إزاحة المرشد، برضاه أو من دونه، وإقامة حكم عسكري مؤقت أو دائم لحماية الدولة ومصالحهم المؤسسية. ومثل هذه الخطوة لا تضمن الاستقرار، ولا تعني بالضرورة انتقالاً نحو ديمقراطية أو نحو حكومة موالية للغرب، لكنها قد تمثّل انتقالاً في مركز القوة من «أصحاب العمائم»، المؤسسة الدينية، إلى «أصحاب البزّات العسكرية»، بما يفتح الباب أمام نموذج حكم مختلف جذرياً.

**مقال رأي للباحث في الشؤون الإيرانية راز تسيمت في صحيفة «يديعوت أحرونوت»

السابق
هل النظام الإيراني على وشك الانهيار؟
التالي
المساعدون القضائيون يعلنون «أسبوع الغضب» ووقف العمل الشامل